متابعة/المدى
أظهرت دراسة حديثة أن الأشخاص الذين يعانون من التهاب الأنف التحسسي باتوا مضطرين لتحمل أعراضهم لفترات أطول مقارنة بما كان عليه الحال في تسعينات القرن الماضي، في ظل تأثيرات متزايدة للتغير المناخي على مواسم حبوب اللقاح.
وكشف تقرير أعدّه 65 عالماً حول العالم أن التغير المناخي أسهم في إطالة ما يُعرف بـ”موسم حبوب اللقاح”، وهي الجزيئات الدقيقة التي تطلقها بعض الأعشاب والأشجار والنباتات، وتتسبب بظهور أعراض مزعجة لدى المصابين بالحساسية، مثل حكة العينين، والعطاس، والصداع.
وبحسب التقرير المنشور في مجلة “لانست” المتخصصة في الصحة العامة، فإن ارتفاع درجات الحرارة أدى إلى إطالة موسم الإزهار لدى بعض النباتات، ما يعني بداية أبكر واستمراراً أطول لموسم انتشار حبوب اللقاح في الهواء.
وتناولت الدراسة ثلاثة أنواع من الأشجار الشائعة في أوروبا، وهي القضبان والنغت والزيتون، حيث تبيّن أن موسم التلقيح بين عامي 2015 و2024 بدأ أبكر بأسبوع إلى أسبوعين مقارنة بالفترة بين 1991 و2000.
وقال البروفيسور يواكيم روكلوف من جامعة هايدلبرغ، وهو أحد المشاركين في الدراسة، إن الملاحظ حالياً هو “موسم أطول، إذ يبدأ التلقيح مبكراً في شمال وجنوب أوروبا”، مشيراً إلى الحاجة لمزيد من الأبحاث لمعرفة ما إذا كان التغير المناخي يزيد أيضاً من كثافة حبوب اللقاح وشدة الأعراض.
وعادة ما يبلغ موسم حبوب اللقاح ذروته في مطلع الصيف، حيث ترتفع نسبها في الهواء، خصوصاً مع الأجواء الدافئة والجافة التي تساعد على انتشارها بشكل أكبر، فيما يُعرف بـ”قنبلة حبوب اللقاح”.
وفي هذا السياق، ساهمت الظروف المناخية الدافئة التي شهدتها بريطانيا خلال العامين الماضيين في زيادة انتشار حبوب اللقاح، لا سيما من أشجار القضبان، التي تُعد من أبرز مسببات الحساسية.
وترى آن بيغز، نائبة مديرة الخدمات العلاجية في منظمة الحساسية البريطانية، أن تأثير التهاب الأنف التحسسي يتفاوت بين الأفراد، إلا أنه يثقل حياة الكثيرين، وقد يؤدي إلى التغيب عن العمل أو اضطرابات النوم، بل وقد يتسبب في غياب بعض الطلبة عن امتحاناتهم.
كما حذرت الدكتورة سامانتا ولكر من منظمة الربو والرئة البريطانية من أن حبوب اللقاح قد تؤدي إلى تفاقم حالات الربو، عبر التسبب بالتهابات في المسالك الهوائية وصعوبات تنفسية قد تصل إلى نوبات حادة.
وفيما يتعلق بالعلاج، لا يوجد دواء نهائي لالتهاب الأنف التحسسي، لكن يمكن السيطرة على الأعراض باستخدام مجموعة من الأدوية، منها مضادات الهيستامين (على شكل حبوب أو قطرات)، وبخاخات الأنف الستيرويدية، وقطرات العيون، والتي تتوفر غالباً دون وصفة طبية.
ويؤكد البروفيسور ستيفن تيل من مستشفى سانت توماس في لندن أن هذه العلاجات تعمل بآليات مختلفة، لكنها آمنة وفعالة لمعظم المرضى.
من جهته، شدد الصيدلي آشلي كوهين على أهمية تجنب مسببات الحساسية، مشيراً إلى أن حبوب اللقاح قد تلتصق بالجسم والملابس عند الخروج، لذلك يُنصح بالاستحمام وتغيير الملابس عند العودة إلى المنزل، محذراً أيضاً من أن الحيوانات الأليفة قد تنقل هذه الحبوب إلى داخل البيت.
وتوصي هيئة الصحة العامة البريطانية بعدد من الإجراءات الوقائية، منها استخدام الفازلين داخل الأنف لاحتجاز حبوب اللقاح، وارتداء النظارات الشمسية أو القبعات، وتنظيف المنزل بانتظام، واستخدام فلاتر في فتحات التهوية داخل السيارات.
كما تنصح بتجنب بعض السلوكيات التي قد تزيد من الأعراض، مثل قص العشب، أو إدخال الأزهار الطازجة إلى المنزل، أو التدخين، أو تجفيف الملابس في الهواء الطلق.
وفي حال تفاقمت الأعراض، يشير كوهين إلى أن نحو 90% من الحالات يمكن التعامل معها بأدوية متاحة في الصيدليات، لكن الحالات الأكثر شدة قد تحتاج إلى إحالة طبية مختصة، وربما علاج مناعي يعتمد على تعريض الجسم تدريجياً لكميات صغيرة من مسببات الحساسية لتقليل استجابته لها.
ورغم أن نسبة الحالات الشديدة محدودة، إلا أن تأثير التهاب الأنف التحسسي على جودة الحياة والإنتاجية يبقى ملموساً لدى شريحة من المصابين، خاصة مع استمرار تغير الظروف المناخية عالمياً.