متابعة/المدى
تتجه الحكومة العراقية إلى حسم مشروع موازنة عام 2027 خلال جلسة استثنائية مرتقبة السبت المقبل، وسط ضغوط نيابية لإرسالها إلى البرلمان وإقرارها قبل نهاية العام، وتحذيرات من تكرار الإنفاق وفق قاعدة 1/12 وما يرافقه من تعطيل للمشاريع الاستثمارية والخدمات.
وتظهر الأرقام الأولية للمسودة أن النفقات العامة تبلغ نحو 217.2 تريليون دينار، مقابل إيرادات تقدر بـ174.2 تريليوناً، ما يرفع العجز المتوقع إلى نحو 43 تريليون دينار، في ظل استمرار اعتماد المالية العامة على الإيرادات النفطية وتقلبات حركة التصدير والأسعار العالمية.
جلسة حكومية استثنائية
وتعتزم الحكومة، بحسب مصدر حكومي، عقد جلسة استثنائية برئاسة رئيس الوزراء علي الزيدي، السبت المقبل، للتصويت على مشروع قانون الموازنة وإحالته إلى مجلس النواب، تمهيداً لمناقشته وتشريعه قبل نهاية العام الجاري.
وكانت وزارة المالية قد أحالت المسودة إلى المجلس الوزاري للاقتصاد في 27 أيلول الماضي، قبل أن تنتقل إلى مجلس الوزراء لإجراء المراجعات النهائية عليها.
وقال عضو ائتلاف دولة القانون خالد علوان الشلال، في حديث تابعته (المدى)، إن وزير المالية قد يُجري تعديلات إضافية على المشروع قبل عرضه على مجلس الوزراء وإرساله إلى البرلمان.
ورجح الشلال تمرير الموازنة بصورة عاجلة، لكونها تعتمد مبدأ «موازنة البرامج والأداء»، الذي يحدد الأطر العامة للإنفاق ويربط التخصيصات بالبرامج والنتائج المستهدفة، بدلاً من الاكتفاء ببنود مالية لا تتضمن مؤشرات واضحة لقياس التنفيذ.
وأكد أن طبيعة الموازنة الجديدة قد تساعد اللجنة المالية النيابية على مراجعتها خلال مدة أقصر، إلا أن ذلك لا يلغي الحاجة إلى تدقيق تقديرات الإيرادات والنفقات والقروض والمشاريع الاستثمارية.
وكانت اللجنة المالية قد ناقشت مع دائرة الموازنة في وزارة المالية هيكلية المشروع وتصنيفاته الاقتصادية والإدارية والوظيفية، إلى جانب آلية تطبيق موازنة البرامج ووضع مؤشرات لقياس الأداء. مجلس النواب العراقي
تمديد الفصل التشريعي
وقال الشلال إن مجلس النواب أرجأ انتهاء فصله التشريعي إلى كانون الأول، استناداً إلى مادة في نظامه الداخلي تتيح تمديد العمل عند وجود موازنة تحتاج إلى المناقشة والتصويت.
وكان نواب قد تحدثوا خلال الأيام الماضية عن توجه لتمديد الفصل التشريعي شهراً إضافياً لإتاحة الوقت أمام اللجان النيابية لمناقشة المشروع عند وصوله من الحكومة.
واستبعد الشلال وجود خلافات سياسية جوهرية تمنع إقرار الموازنة، قائلاً إن الظروف المالية الصعبة دفعت الكتل إلى الاتفاق على ضرورة تنظيم الإنفاق الحكومي وتوفير غطاء قانوني للنفقات التشغيلية والاستثمارية.
غير أن الاتفاق على مبدأ الإقرار لا يعني غياب الخلافات المحتملة بشأن حجم العجز والقروض وتخصيصات المحافظات والإقليم والوزارات، فضلاً عن تقديرات الإيرادات غير النفطية وكميات النفط المفترض تصديرها.
مخاطر قاعدة 1/12
وحذر الشلال من استمرار الإنفاق وفق قاعدة 1/12، التي تسمح للحكومة بالصرف شهرياً استناداً إلى النفقات الفعلية للسنة السابقة عند تأخر إقرار الموازنة.
وأوضح أن هذه الآلية استُخدمت في سنوات سابقة لمعالجة غياب قانون الموازنة، لكنها تقتصر بدرجة أساسية على تمويل الالتزامات الجارية، وتحد من قدرة الحكومة على إطلاق مشاريع جديدة أو توسيع الإنفاق الاستثماري.
وأضاف أن استمرارها يؤخر مشاريع البنى التحتية والبرامج الاقتصادية والخدمية، ويؤثر في حركة الاستثمار والإنفاق الموجه إلى المحافظات والمواطنين.
وكان العراق قد اعتمد الصرف وفق قاعدة 1/12 خلال عامي 2025 و2026 بسبب عدم إقرار جداول العام الأول وغياب موازنة مستقلة للعام الثاني، ما يزيد أهمية تشريع موازنة 2027 قبل بدء السنة المالية الجديدة.
عجز يتجاوز 43 تريليوناً
وتشير المسودة المتداولة إلى تخصيص نحو 169.3 تريليون دينار للنفقات التشغيلية، مقابل 47.9 تريليوناً للنفقات الاستثمارية، فيما تبلغ مخصصات رواتب الموظفين والرعاية الاجتماعية أكثر من 101 تريليون دينار.
وتقدر الإيرادات النفطية بنحو 144.7 تريليون دينار، مقابل 29.5 تريليوناً من الإيرادات غير النفطية، ما يعني أن النفط سيظل الممول الرئيس للموازنة رغم الخطط الحكومية المعلنة لتنويع مصادر الدخل.
وبُنيت تقديرات النفط على تصدير أربعة ملايين برميل يومياً بسعر 58 دولاراً للبرميل، واعتماد سعر صرف قدره 1500 دينار للدولار، وهي افتراضات يبقى تحققها مرتبطاً بالطاقة التصديرية والأسعار والأوضاع الأمنية في المنطقة.
ويرى الباحث والكاتب عبد الجبار نوري أن الموازنة تعكس استمرار مشكلات الاقتصاد الريعي وتضخم النفقات التشغيلية وضعف مساهمة الصناعة والزراعة والإيرادات الضريبية والكمركية، داعياً إلى توجيه الاقتراض نحو الاستثمار والإنتاج بدلاً من تمويل الاستهلاك.
غير أن تقديره للعجز بأكثر من 30 تريليون دينار يقل عن الرقم الذي تظهره أحدث الأرقام الأولية للمسودة، والبالغ نحو 43 تريليوناً، ما يبرز الحاجة إلى انتظار النسخة النهائية التي سيقرها مجلس الوزراء قبل اعتماد أي رقم بصورة نهائية.
النفط العراقي يتراجع في السوق الهندية
وتزامن نقاش الموازنة مع حلول العراق رابعاً بين أكبر موردي النفط الخام إلى الهند خلال تشرين الأول، بمتوسط بلغ نحو 330 ألف برميل يومياً، وفق بيانات شركة «إس آند بي غلوبال كوموديتيز آت سي».
وتصدرت روسيا قائمة الموردين بنحو مليوني برميل يومياً، تلتها الإمارات بـ850 ألفاً والسعودية بـ450 ألف برميل، فيما سجلت واردات الهند الإجمالية مستوى قياسياً بلغ 5.54 ملايين برميل يومياً.
ويعكس تراجع العراق إلى المرتبة الرابعة حساسية إيراداته تجاه المنافسة في الأسواق الآسيوية واضطرابات الشحن، ولا سيما أن السوق الهندية تمثل إحدى الوجهات الأساسية للخام العراقي.
كما أظهرت بيانات تتبع الناقلات انخفاض صادرات دول الخليج النفطية في تشرين الأول مقارنة بذروة أيلول، مع استمرار المخاطر المحيطة بحركة الملاحة قرب مضيق هرمز.