متابعة/المدى
أعلنت وزارة الداخلية العراقية استرداد ثلاثة متهمين مطلوبين للقضاء من خارج البلاد، عبر مديرية الشرطة العربية والدولية «إنتربول بغداد»، في وقت يرى مختصون في النزاهة أن فاعلية هذه العمليات لا تُقاس بعدد الأشخاص المستردين وحده، بل بقدرة الدولة على ملاحقة كبار المتهمين واستعادة الأموال والموجودات المرتبطة بقضايا الفساد.
ثلاثة متهمين عبر القنوات الرسمية
وقالت الوزارة إن عملية الاسترداد جرت عبر القنوات الرسمية وبالتنسيق مع الجهات المختصة في الدول التي كان المتهمون موجودين فيها، قبل تسليمهم إلى السلطات العراقية لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم، وفق أوامر القبض الصادرة عن القضاء.
ولم يكشف الإعلان الأولي للوزارة عن أسماء المتهمين أو الدول التي استُردوا منها أو طبيعة القضايا الصادرة بحقهم، فيما أكدت استمرار جهودها في ملاحقة المطلوبين خارج البلاد وتفعيل التعاون الأمني الدولي لمنع الإفلات من الإجراءات القضائية عبر مغادرة العراق.
ويعمل «إنتربول بغداد» ضمن مديرية الشرطة العربية والدولية التابعة لوزارة الداخلية، ويتولى التنسيق مع أجهزة الشرطة في الدول الأعضاء بالمنظمة الدولية للشرطة الجنائية، بما يشمل تبادل المعلومات وترتيب الملاحقات والإجراءات المرتبطة بتسليم المطلوبين، وفق الأطر القانونية المعتمدة في كل دولة.
وسبق للسلطات العراقية أن أعلنت عمليات مماثلة، بينها استرداد متهمين من إيران عام 2024 على خلفية قضية خطف، بعد تنسيق بين إنتربول بغداد ونظيره في طهران، فضلاً عن تسلم مطلوبين من دول أخرى خلال عمليات منفصلة.
ملاحقة الكبار
وعدّ رئيس مؤسسة النهرين لدعم الشفافية والنزاهة، محمد رحيم الربيعي، استرداد المطلوبين خطوة تنفيذية ضمن التزام العراق باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، لكنه أكد أن الملف أوسع من إعادة الأشخاص، إذ يشمل الأموال والموجودات داخل البلاد وخارجها.
وقال الربيعي، وهو عضو الائتلاف العالمي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، في حديث تابعته (المدى)، إن جهود الاسترداد تستغرق وقتاً وتتطلب تعاوناً دولياً وإجراءات فنية وقانونية متعددة.
وأشار إلى حالة موظف مسترد صدرت بحقه، بحسب قوله، أحكام جزائية يصل مجموعها إلى 55 عاماً، معتبراً أن ذلك يعكس انتقالاً من الأحكام البسيطة إلى عقوبات أكثر ردعاً.
لكنه شدد على ضرورة ملاحقة المتهمين الكبار الصادرة بحقهم أحكام قضائية، موضحاً أن الأموال المرتبطة ببعض الحالات المستردة تبقى محدودة مقارنة بالمبالغ المنسوبة إلى قضايا فساد كبرى.
ورأى أن أثر الإجراءات الحالية يظل محدوداً في تقييم جهود العراق في مكافحة الفساد، ما لم تقترن باستعادة الأموال والموجودات وملاحقة القضايا الأكبر.
طريق طويل لاستعادة الأموال
وأوضح الربيعي أن استرداد الأموال يبدأ برصدها وتعقبها والكشف عن المستفيد الحقيقي منها، ثم تجميدها وحجزها ومصادرتها، وصولاً إلى إعادتها، مؤكداً أن هذه المراحل تحتاج إلى عمل دقيق ووقت طويل.
وأضاف أن الملف يحتاج إلى تقنيات وتخصيصات مالية، معتبراً أن زيادة الإنفاق على تعقب الأموال قد تحقق إيرادات أكبر للدولة. ودعا إلى تشكيل لجان ثنائية مع الدول المعنية وتوقيع اتفاقات وتعزيز المتابعة الفنية، إلى جانب تشريع قانون لتعويض المتضررين من أفعال الفساد.
وكانت هيئة النزاهة الاتحادية قد أعلنت في وقت سابق إعداد مسودات مذكرات تفاهم دولية لتعزيز استرداد الأموال والمتهمين الموجودين خارج العراق، في إطار توسيع التعاون القضائي والرقابي مع الدول الأخرى.
وقال الربيعي إن استعادة الأموال داخل العراق ممكنة، لكنها تواجه صعوبات مرتبطة بالنظام المصرفي وعدم توافر البيانات الدقيقة وضعف تعاون المصارف، فضلاً عن الروتين في الحصول على المعلومات، مقابل تحسن التعاون الدولي مع بغداد في ملف استرداد الأموال والموجودات.
كيف تُقاس جدية الدولة؟
يرى الربيعي أن قياس جدية الدولة في مكافحة الفساد يتطلب مقارنة عدد الأشخاص الذين جرى استردادهم بإجمالي المطلوبين الصادرة بحقهم أحكام قضائية، إلى جانب مقارنة حجم الأموال المحكوم باستعادتها بالمبالغ التي عادت فعلياً إلى خزينة الدولة.
كما دعا إلى مقارنة نتائج عمليات الاسترداد بالكلفة التي تتحملها الحكومة العراقية، مؤكداً ضرورة ألا تتجاوز النفقات قيمة الأموال المصادرة، مع تحليل النتائج وإعادة صياغة التشريعات والسياسات استناداً إليها.
وفي ما يتعلق بحملة ملاحقة الفاسدين، قال الربيعي إنها شهدت فجوة بعد انطلاقة وصفها بالواسعة، مشيراً إلى أن محدودية إمكانات الأجهزة القضائية شكلت عائقاً أمام استمرارها بالوتيرة نفسها، وأن استكمالها يحتاج إلى الوقت والتقنيات ومعالجة الثغرات التشريعية.
المصدر: وكالات