أدوات حكومية وتشريعات غائبة تعمق القيود على حرية التعبير
بغداد / المدى
شهد الفضاء الرقمي في العراق، منذ عام 2003، تصاعدا في الجدل بشأن واقع الحقوق الرقمية، في ظل اتهامات للحكومات المتعاقبة بعدم منح هذا الملف أولوية تشريعية، مقابل توسيع استخدام أدوات وإجراءات تُتهم بتقييد حرية التعبير والوصول إلى المعلومات.
ويرى تقرير لمؤسسة انسم، المنظمة المعنية بالحقوق الرقمية، أن غياب التشريعات الضامنة للحقوق الرقمية، إلى جانب اعتماد وسائل رقابية وإدارية جديدة، أسهما في تضييق مساحة العمل الرقمي أمام الصحافيين والنشطاء وصناع المحتوى.
ويشير التقرير إلى أن منظمات الحقوق الرقمية والمدافعين عن حقوق الإنسان سعت، منذ سقوط النظام السابق، إلى ترسيخ فضاء رقمي يكفل الحريات الرقمية باعتبارها حقا إنسانيا أساسيا، إلا أن تلك الجهود اصطدمت، بحسب التقرير، بسياسات حكومية اتجهت إلى ابتكار أدوات جديدة للرقابة بدلا من تطوير ضمانات قانونية لحماية حرية التعبير.
ومن أبرز الأمثلة التي يوردها التقرير، استمرار تعطيل مشروع قانون حق الوصول إلى المعلومة داخل البرلمان العراقي، رغم أن إقراره كان سيمنح الصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والجمهور إمكانية الوصول إلى المعلومات العامة، بما يعزز الشفافية ويسهم في مكافحة الفساد. وفي المقابل، برزت محاولات لتشريع قوانين تتعلق بـ«تنظيم المحتوى الإعلامي» و«مكافحة الجرائم الإلكترونية»، يرى التقرير أنها تضمنت نصوصا فضفاضة قد تؤدي إلى تقييد حرية التعبير.
ويضيف التقرير أن الحكومة، وبعد تعثر تمرير بعض تلك التشريعات نتيجة اعتراضات منظمات المجتمع المدني والنشطاء، لجأت إلى استخدام أدوات تنفيذية وإدارية لفرض قيود على الفضاء الرقمي دون الحاجة إلى إصدار قوانين جديدة.
ويعد إطلاق وزارة الداخلية، في 10 كانون الثاني 2023، منصة «بلّغ» إحدى أبرز هذه الأدوات، إذ أعلنت الوزارة أنها مخصصة للإبلاغ عن «المحتوى الهابط» الذي يتضمن، بحسب وصفها، إساءة إلى الذوق العام وخدشا للحياء وزعزعة للاستقرار المجتمعي.
وبحسب التقرير، فإن الوزارة لم توضح الأسس القانونية أو المعايير التي تعتمدها في تصنيف المحتوى، بينما أسفرت البلاغات المقدمة عبر المنصة عن توقيف أو ملاحقة مطربين وكوميديين وشعراء ونساء ناشطات وصناع محتوى وأصحاب مطاعم، الأمر الذي دفع، وفقا للتقرير، إلى انتشار الرقابة الذاتية بين المستخدمين، ولا سيما النساء.
ويربط التقرير بين حملة «المحتوى الهابط» وقضية مقتل المؤثرة العراقية أم فهد في نيسان 2024، معتبرا أن الوصم المجتمعي الذي سبق الحادثة، وما رافقه من إجراءات قانونية ضدها، أسهما في خلق بيئة عدائية انتهت باغتيالها، في حين يشير إلى أن مرتكب الجريمة لم يحاسب حتى تاريخ إعداد التقرير.
ويتناول التقرير كذلك ما يعرف بـ«نقطة الاتصال الوطنية»، وهي جهة ظهرت أسماؤها في إشعارات تلقاها عدد من الصحافيين والمدونين على منصة «فيسبوك» بعد تقييد الوصول إلى منشوراتهم أو صفحاتهم داخل العراق، استنادا إلى «طلبات قانونية» أرسلت إلى شركة «ميتا».
ووفقا لما أورده التقرير، شملت عمليات الحجب منشورات تتعلق بملفات فساد وأخرى تناولت رئيس الوزراء، فيما لم تتضمن، بحسب أصحابها، مخالفات لمعايير «ميتا» أو انتهاكا لحقوق الملكية الفكرية. كما يشير إلى أن الإشعارات التي يتلقاها المستخدمون لا تمنحهم حق الطعن أو معرفة الأساس القانوني التفصيلي الذي استند إليه قرار الحجب.
وتنقل المادة عن «ميتا» أنها تلقت، خلال تشرين الثاني 2025، 51 طلبا من «نقطة الاتصال الوطنية العراقية» لتقييد الوصول إلى 52 صفحة ومجموعة على فيسبوك و327 منشورا على منصتي «فيسبوك» و«إنستغرام». وأوضحت الشركة أن عدم الاستجابة لتلك الطلبات قد يؤدي إلى فرض قيود على الإعلانات أو منع المدفوعات الموجهة إليها داخل العراق.
كما أوضحت «ميتا» أنها قيدت الوصول إلى 194 منشورا قيل إنها تضمنت بيانات تشهيرية أو إساءات بحق رئيس الوزراء ووزيري الدفاع والداخلية ورئيس تيار الحكمة الوطني عمار الحكيم، إضافة إلى مسؤولين أمنيين وقضائيين وبرلمانيين ورئيس هيئة الإعلام والاتصالات وأمين بغداد وقائد شرطة البصرة.
وفي المقابل، لم تتخذ الشركة إجراءات بحق عشرات الصفحات والمجموعات التي تضمنت، بحسب التقرير، انتقادات لمسؤولين حكوميين وادعاءات بوجود ملفات فساد، وهو ما يراه التقرير مؤشرا على تفاوت في آليات التعامل مع طلبات الحجب.
ويرى التقرير أن استجابة «ميتا» تعكس تحولا في سياسة الشركة، إذ أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على التشريعات المحلية في تقييم المحتوى، حتى عندما تكون تلك التشريعات محل انتقاد من منظمات حقوق الإنسان بسبب عموميتها أو إمكانية استخدامها لتقييد حرية التعبير، معتبرا أن الشركة فضلت حماية مصالحها التجارية في العراق على حساب حماية حرية التعبير.
وأكد رئيس هيئة الإعلام والاتصالات، بليغ أبو كلل، في مقابلة تلفزيونية، أن «نقطة الاتصال الوطنية» يرأسها شخصيا، وتضم ممثلين عن جهاز المخابرات وجهاز الأمن الوطني ومجلس القضاء ووزارة الاتصالات، وأن قرارات طلب الحجب تُتخذ بالإجماع بعد مراجعة المحتوى، وتشمل حالات تتعلق بدعم الإرهاب، والتحريض على الطائفية، والمحتوى المنافي للأخلاق.
ويشير التقرير إلى أن تصريحات أبو كلل أثارت تساؤلات بشأن المعايير المعتمدة في التمييز بين حرية التعبير والمحتوى المخالف، لا سيما في ظل حديثه عن اتخاذ إجراءات بحق أحد المحللين السياسيين بعد اتهامه رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني بـ«العمالة والتطبيع»، مؤكدا أنه لا يقبل الإساءة إلى رئيس الوزراء.
كما يلفت التقرير إلى أن أبو كلل يشغل، إلى جانب رئاسته هيئة الإعلام والاتصالات، موقعا قياديا في أحد الأحزاب السياسية، مع الإشارة إلى تسجيل حالات حجب لمحتوى يتعلق بملفات فساد تخص الجهة السياسية التي ينتمي إليها، وهو ما يثير، بحسب التقرير، مخاوف من تضارب المصالح.
القضاء وحجب المحتوى الرقمي
ويشير التقرير إلى أن القضاء العراقي أصبح طرفا في إجراءات حجب المحتوى، مستندا إلى قرار المحكمة الاتحادية العليا الصادر في 14 آذار 2024، الذي قضى بحجب المواقع الإلكترونية وشبكات الإنترنت والتطبيقات التي تتضمن «صناعة ونشر المقاطع المخلة بالأخلاق والآداب، والمحتوى الهابط الذي يخدش الحياء، والتجاوز على الذات الإلهية وحرمة الكتب المقدسة، والتجاوز على الأنبياء والرسل والرموز الدينية، والإساءة إلى الأديان والمذاهب، والترويج للفسق والفجور والبغاء والشذوذ الجنسي، والتعرض للآخرين والإساءة إليهم». ويرى التقرير أن هذه العبارات ذات طبيعة عامة وقابلة لتفسيرات متعددة، بما يسمح بتطبيقها على نطاق واسع.
تلغرام بين الحجب والعودة
وفي ملف آخر، تناول التقرير تكرار حجب تطبيق «تلغرام» في العراق، رغم اتساع استخدامه في مجالات الدراسة والعمل والتواصل. وأشار إلى أن التطبيق توقف عن العمل في معظم المحافظات في 3 نيسان الماضي، باستثناء إقليم كردستان، من دون إعلان رسمي يوضح أسباب ذلك، ما دفع المستخدمين إلى اللجوء إلى الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) لمواصلة استخدامه، وهو ما اعتبره التقرير مخاطرة إضافية تتعلق بالأمن الرقمي.
وبعد نحو شهر من التوقف، أعلنت هيئة الإعلام والاتصالات رفع الحجب، موضحة أن إدارة التطبيق تعهدت بالامتثال للاشتراطات التنظيمية الخاصة بضبط المحتوى وحماية المستخدمين والالتزام بالقوانين العراقية، مع تأكيد الهيئة استعدادها لإعادة الحجب في حال عدم الالتزام بهذه الشروط.
الإنترنت والامتحانات العامة
كما تناول التقرير استمرار سياسة قطع خدمة الإنترنت خلال الامتحانات العامة، مشيرا إلى أن وزير الاتصالات مصطفى سند أعلن استمرار قطع الإنترنت لمدة ساعة ونصف، من السادسة حتى السابعة والنصف صباحا، بهدف الحد من تسريب الأسئلة الامتحانية.
وأوضح الوزير، بحسب ما أورده التقرير، أن الوزارة تسعى ابتداء من عام 2027 إلى إنهاء هذه الإجراءات عبر اعتماد آلية إلكترونية تتيح إيصال الأسئلة إلى المدارس في اللحظة نفسها، بما يمنع تسريبها دون الحاجة إلى قطع الإنترنت، إلا أن هذه الخطة لا تزال، وفق التقرير، في مرحلة الإعداد.
خطاب المحتوى الهابط وخطاب الكراهية
وفي سياق آخر، يرى التقرير أن الخطاب الحكومي بشأن مكافحة «المحتوى الهابط» لم ينعكس، في المقابل، على مواجهة حملات الكراهية والتحريض المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيما تلك التي تستهدف النساء.
ويستشهد التقرير بمقتل المدافعة عن حقوق الإنسان والناشطة النسوية ينار محمد في 2 آذار 2026، بعد تعرضها لهجوم مسلح أمام محل إقامتها في شمال بغداد. ويشير إلى أن منصات التواصل الاجتماعي شهدت عقب الحادثة منشورات تضمنت تبريرا للجريمة وتحريضا على استهداف نساء أخريات، من دون اتخاذ إجراءات بحق ناشريها، كما يؤكد أن السلطات الأمنية لم تكشف، حتى تاريخ إعداد التقرير، هوية منفذ الجريمة.
ويربط التقرير هذه الحادثة باغتيال الناشطة المدنية ريهام يعقوب عام 2020، الذي سبقه، بحسب التقرير، انتشار حملات رقمية اتهمتها بالعمالة، من دون أن يتم الكشف عن القتلة أو محاسبتهم.
الوصاية الرقمية وضغوط صناع المحتوى
ويقول التقرير إن مظاهر ما يسميه «الوصاية الرقمية» لم تعد تقتصر على المؤسسات الحكومية، بل امتدت إلى بعض صناع المحتوى الذين يشنون حملات ضد مستخدمين آخرين، ولا سيما النساء، بسبب طبيعة المحتوى الذي يقدمونه أو لاختلاف آرائهم، الأمر الذي يسهم، بحسب التقرير، في خلق رأي عام ضاغط يدفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات قانونية بحقهم.
ويضرب التقرير مثالا بإعلامي عراقي دعا، عبر صفحته على «فيسبوك» التي يتابعها أكثر من مليوني شخص، وزارة الداخلية إلى التدخل لمنع النساء من تدخين النرجيلة في الأماكن العامة، كما تحدث عن حادثة أخرى مارس فيها ضغوطا على صاحب مطعم، انتهت بتقديم الأخير اعتذارا علنيا بسبب محتوى ترويجي نشره عدد من صناع المحتوى.
الدعاوى القضائية ضد الصحافيين والمدونين
ويتناول التقرير كذلك الدعاوى القضائية التي رفعها مسؤولون حكوميون، بينهم وزراء ومسؤولون كبار، ضد مدونين وصحافيين وناشطين بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرا إلى أن بعضها انتهى بإصدار أحكام بالحبس.
تسريب البيانات وحماية الخصوصية
وفي جانب حماية البيانات الشخصية، يشير التقرير إلى استمرار عمليات تسريب بيانات المستخدمين، في ظل غياب الشفافية الحكومية بشأن حجم هذه التسريبات أو آليات معالجتها.
ويورد التقرير مثالا على ذلك قرار الحكومة العراقية، في 29 حزيران 2025، إهداء 12 ألف جهاز لوحي «تابلت» استخدمت في تنفيذ التعداد السكاني إلى المملكة الأردنية، من دون نشر تفاصيل عن الإجراءات الفنية المتخذة لضمان إزالة بيانات المواطنين بصورة نهائية، رغم تأكيد الحكومة أن الأجهزة خالية من البيانات.
مخاوف على مستقبل الحقوق الرقمية
ويخلص التقرير إلى أن تزايد هذه الممارسات يثير مخاوف من اتساع القيود المفروضة على حرية التعبير في الفضاء الرقمي، وتقويض قدرة الصحافيين على الوصول إلى المعلومات، فضلا عن انتقال آثار العنف الرقمي إلى الواقع، ولا سيما ضد النساء، في وقت يرى فيه كاتب التقرير أن البرلمان لم يضطلع بدور فاعل في إقرار التشريعات الكفيلة بحماية الحقوق الرقمية، أو الحد من توسع إجراءات الرقابة والحجب.