في يوليو 1998، رفع إيمانويل بيتيه كرة، اسكنها زين الدين زيدان في شباك الحارس البرازيلي تافاريل، وبعد نحو 15 دقيقة كرر زين الدين الأمر نفسه، لتتوج فرنسا بكأس العالم بعد انتظار نحو 68 عاما.
خلف تتويج فرنسا بكأس العالم للمرة الأولى في مسيرتها، بأقدام ابن المهاجرين الجزائريين، زين الدين زيدان –ما عجز في تحقيقه كوبا وفونتين وبلاتيني- مفارقة كبرى، فكانت الجزائر نفسها من حرمت الديوك من اللقب قبل 40 عاما من تلك اللحظة.
البداية.. هروب قبل كأس العالم
القصة بدأت في أبريل 1958، عندما كانت تستعد فرنسا لخوض كأس العالم ومعها واحد من أقوى أجيالها، لكنها ودعت البطولة من ربع النهائي بالهزيمة من البرازيل.
قبل أسابيع من انطلاق المونديال، وبعد انتهاء إحدى المباريات المحلية، تحرك اللاعبون الجزائريون سرا نحو الحدود الفرنسية، في ذلك الوقت كانت الجزائر جزءًا من فرنسا، فارتدى بعض هؤلاء اللاعبون القميص الفرنسي بينما كان آخرون مرشحين لتمثيل الديوك في مونديال السويد.
ووفقا لكتاب “إمبراطورية كرة القدم: كأس العالم ومستقبل فرنسا” للمؤرخ لوران دوبوا، تحرك عبد العزيز بن طيفور، قدور بخلوفي وعبد الرحمن بوبكر من موناكو، إضافة إلى عمار رويعي من أنجيه.
مصطفى زيتوني، مدافع موناكو، والذي تلقى عرضا من ريال مدريد وقتها، وكانت فرنسا تعلق آمالها عليه في المونديال، استقل المطار ليلا، وعندما وصل إلى إيطاليا، صادفه شروطي اعتاد على رؤيته، وقال له: “مرحى مصطفى.. تتجول من جديد؟”، لم يكن الظابط يعرف ما يخطط له مصطفى، وأن الأمر لم يكن نزهة بل كان في طريقه إلى تونس، حيث كانت الثورة الجزائرية تستعد لتكوين منتخب.
كان محمد بومزراق العقل المدبر لهذه العملية، واستقبل مختار عريبي وحميد بوشوك وحميد في مدينة لوزان السويسرية ومنها إلى روما، ثم إلى تونس.
كان هؤلاء اللاعبون يعتقدون أن خطة هروبهم بأمر من جبهة التحرير الوطني، لكنهم فوجئوا بأن الأمر خلفه رجل واحد فقط وهو بومزراق، عندما وصلوا إلى المطار ولم يجدوا أحدا في انتظارهم.
محمد بومزراق ولد في مدينة الشلف لعائلة جزائرية ارتبطت بثورة 1871 ضد الاحتلال الفرنسي، ولعب كرة قدم في الدوري الفرنسي، وبعدها اتجه إلى التدريب، قبل أن يصبح مسؤولا في الاتحاد الفرنسي.
وفي ضيف 1957، تحول تفكير بومزراق، أثناء حضور مهرجان الشباب العالمي في موسكو، عندما شاهد وفدا جزائريا يرفع العلم الجزائري رغم حظره.
وكان من ضمن هذا الوفد فريق كرة قدم، ليعود بومزراق من موسكو بفكرة أكبر، فماذا لو كون فريق جزائري من نجوم الدوري الفرنسي، ويقول ستانيسلاس فرنكييل، المؤرخ الفرنسي المتخصص في تاريخ كرة القدم، إن بومزراق تواصل مع عمر بوداود، رئيس فيدرالية فرنسا لجبهة التحرير الوطني، وحصل منه على تفويض سري لتنسيق العملية.
وفي سبتمبر 1957، بدأ بومزراق التحرك بحذر، فكان يقترب من اللاعبين بشكل منفرد وفي ساعات مختلفة، وكانت بدايته بالثنائي حميد بوشوك وسعيد إبراهيمي.
وبعد إحدى مباريات تولوز، اعترض طريق المهاجم عمار رويعي، بعدها كرر الأمر نفسه مع 5 لاعبين في موناكو، وكان يستخدم عبارة واحدة: “اسمي بومزراق. أنا من فيدرالية فرنسا لجبهة التحرير. نحتاجك. الجزائر تحتاجك. كن مستعدا”.
التحدي الأكبر أمام بومزراق
كان التحدي الأكبر أمام بومزراق، يتمثل في إقناع مصطفى زيتوني، الذي كان يقترب من الدفاع عن منتخب فرنسا في المونديال، ومتزوج من فرنسية وأبا لطفلتين.
وكان سؤال زيتوني الأول: “ألا يمكننا الرحيل بعد كأس العالم؟”، لكن في النهاية وافق مصطفى ولكي يموه رحيله عن جيرانه، أشاع أنه ينوي الانفصال عن زوجته.
لكن محاولات بومزراق لم تخل من بعض الإخفاقات، فعلى الحدود الفرنسية الإيطالية، أوقفت القوات حسن الشابري، لاعب موناكو، قبل أن يوضع قيد الحراسة، ويحكم عليه بالحبس عاما.
فضيحة في الصحافة الفرنسية
تحول الأمر من اختفاء لاعبين إلى صدمة رياضية في فرنسا، وتصدر الأمر الصحف الكبرى، فكتبت صحيفة ليكيب: “تسعة لاعبين جزائريين اختفوا”، ووصفت “باريس ماتش الأمر بـ”نجوم كرة القدم الذين أصبحوا فلاقة”، أي مقاتلين في صفوف المقاومة الجزائرية المسلحة.
وأصدرت جبهة التحرير في تونس بيانا، قال فيه إن اللاعبين لم يغادروا فرنسا هربا أو بحثا عن عقود، بل للنضال من أجل الاستقلال.
ومن جانبه، أخطر الاتحاد الفرنسي لكرة القدم الاتحاد الدولي”فيفا”، باعتراضه على تأهل اللاعبين في أي اتحاد وطني، ليعلن فيفا معاقبة أي بلد يواجه الفريق الوطني.
وعندما قبلت تونس والمغرب، استضافة الفريق في بطولة “جميلة بوحيرد” في 1958، عطلت الفيفا طلبي انضمامهما إلى الاتحاد الدولي حتى أغسطس 1960.
وعوقب الاتحاد المغربي لكرة القدم، بالحرمان من المنافسات الدولية لمدة عام، بسبب استقبال الفريق الجزائري.
وبين عامي 1958-1962، خاض الفريق الجزائري نحو 83 مباراة في 14 بلدا؛ فاز في 57 منها، وتعادل في 14، وخسر 12، وكانت البداية في تونس؛ وامتلأت المدرجات بجنود جيش التحرير الوطني الجزائري المتعافين، فكان بعضهم بضمادات أو على عكاكيز، والآخر يحمل سلاحه على كتفه.
اقرأ أيضًا:
منها على النايل سات.. قائمة القنوات المجانية الناقلة لكأس العالم 2026