بغداد/ دعاء نزار
أكد المتخصص في الشأن الاقتصادي ضياء المحسن، أن أزمة السيولة التي يشهدها العراق حالياً تعود إلى تداخل عدة عوامل مالية واقتصادية، وليس إلى سبب منفرد، مشيراً إلى أن البلاد لا تعاني من أزمة مالية أو إفلاس، وإنما من اختلال مؤقت في توقيت توفر النقد.
وقال المحسن، خلال حديث لـ(المدى) إن انخفاض التدفقات النقدية المتأتية من صادرات النفط خلال الفترة الماضية، نتيجة الاضطرابات في الخليج العربي، تزامن مع استمرار ارتفاع مستويات الإنفاق الحكومي، ما أدى إلى خلق فجوة نقدية مؤقتة.
وأوضح أن العراق يمتلك أحد أعلى مستويات الإنفاق الجاري في المنطقة، لاسيما في ما يتعلق برواتب الموظفين والمتقاعدين وشبكة الحماية الاجتماعية، مبيناً أن أي انخفاض في الإيرادات النفطية، حتى وإن كان لفترة قصيرة، يؤدي إلى ظهور أزمة سيولة بسرعة، لأن هذه الالتزامات شهرية ولا يمكن تأجيلها.
وأضاف أن غياب الموازنة العامة وعدم إقرارها من قبل الحكومة ومجلس النواب قلل من مرونة وزارة المالية في إدارة النقد، الأمر الذي أدى إلى تأخير المناقلات المالية والحد من أدوات التمويل القانونية المتاحة.
وأشار إلى أن هناك فرقاً واضحاً بين أزمة السيولة والإفلاس، مؤكداً أن العراق لا يواجه أزمة مالية، وإنما يعاني من اختلال مؤقت في السيولة، لافتاً إلى أن هيكل المالية العامة في العراق شديد الحساسية، بحيث إن أي انخفاض في صادرات النفط أو أسعاره لعدة أسابيع ينعكس مباشرة على السيولة النقدية.
وبيّن المحسن أن تكرار الأزمة مستقبلاً يعتمد على مجموعة من المتغيرات، من بينها انخفاض أسعار النفط، أو تراجع الصادرات، أو تأخر وصول الإيرادات، أو استمرار غياب الموازنة، أو زيادة الالتزامات الحكومية، مؤكداً أنه لا توجد ضمانة مطلقة بعدم تكرار أزمة مماثلة.
وفي ما يتعلق بملف الرواتب، رجح المحسن قدرة الحكومة على تأمين رواتب الموظفين حتى نهاية العام، لكنه أوضح أن هذه القدرة ليست مضمونة بشكل كامل، وإنما تعتمد على استمرار تدفق الإيرادات النفطية وعدم تعرضها لصدمات جديدة.
وتطرق المحسن إلى مشروع قانون الإدارة المالية المؤقت، مبيناً أن أبرز أهدافه تتمثل في توفير إطار قانوني للإنفاق في ظل غياب الموازنة العامة، وتنظيم الاقتراض الداخلي والخارجي من خلال تحديد الجهات المخولة بالاقتراض وأغراضه وسقوفه، بما يمنع اللجوء إلى الاقتراض المفتوح، فضلاً عن تنظيم إدارة المنح والإعانات وإخضاعها لإطار قانوني موحد يراعي أثرها المالي والاستدامة المالية.
وأضاف أن المشروع يركز أيضاً على تعزيز الاستدامة المالية، مبيناً أنه في حال تطبيق المبادئ المطروحة، فمن المتوقع أن يسهم القانون في إخضاع عمليات الاقتراض لموافقة السلطة التشريعية بدلاً من القرارات التنفيذية المنفردة، وتحديد أوجه استخدام الأموال المقترضة وربطها بأغراض محددة، بما يسهل على الأجهزة الرقابية متابعة الالتزام بها.
وأشار إلى أن المشروع يمنح دوراً أكبر للجهات الرقابية والفنية، مثل ديوان الرقابة المالية والبنك المركزي، في مناقشة وتنفيذ القانون، الأمر الذي قد يحسن متابعة حركة الأموال، فضلاً عن توحيد آليات إدارة المنح والإعانات داخل النظام المالي الحكومي، بما يقلل من مخاطر ازدواج الصرف وضعف التوثيق.
وأكد المحسن أن توفير إطار قانوني وحده لا يكفي لمعالجة الهدر أو الفساد، ما لم تُستكمل المنظومة بإجراءات تنفيذية ورقابية فعالة.
وأضاف أنه إذا كان هذا القانون سيحل عملياً محل الموازنة خلال عام 2026، كما تشير التصريحات الرسمية، فإنه يمنح الحكومة أداة قانونية لاستمرار الإنفاق، لكنه لا يمثل بديلاً دائماً عن قانون الموازنة العامة، لأن الموازنة لا تقتصر على توفير التمويل، وإنما تتضمن أيضاً توزيع الموارد بين القطاعات، وتحديد الأولويات التنموية، ورسم السياسات المالية السنوية.
وأشار إلى أن نجاح القانون في معالجة أزمة السيولة لا يغني عن العودة إلى انتظام إقرار الموازنات العامة في مواعيدها الدستورية.
وفي ما يتعلق بموازنة عام 2027، حذر المحسن من أن تأخر إرسال مشروع الموازنة إلى مجلس النواب حتى شهر تشرين الأول سيترك أثراً ملموساً في تنفيذ المشاريع الاستثمارية والخدمية، حتى في حال إقرارها لاحقاً، موضحاً أن حجم هذا الأثر سيتوقف على موعد الإقرار النهائي ومدى جاهزية الوزارات لتنفيذ المشاريع.
من جهته، قال النائب حيدر المطيري، خلال حديث تابعته(المدى) إن وزير المالية أبلغه بوجود عجز نقدي يُقدّر بنحو 3.3 تريليونات دينار، موضحاً أن الكلفة الشهرية للرواتب تبلغ 7.8 تريليونات دينار، في حين جرى صرف 3 تريليونات لبعض الوزارات، ولا يتوفر حالياً سوى 1.5 تريليون دينار مع مساعٍ لرفعها إلى 1.65 تريليون لتأمين رواتب المتقاعدين أولاً.
وأشار إلى أن الاجتماع تناول أيضاً ملفات المستحقات المتأخرة للطلبة المبتعثين، وتحصيل الضرائب والسلف غير المسددة، والأتمتة الإلكترونية، فيما دعا إلى تخفيض رواتب الرئاسات الثلاث، بدءاً بأعضاء مجلس النواب، للمساهمة في تقليص العجز المالي.
وفي السياق ذاته، أكدت الحكومة أن الرواتب تمثل التزاماً حكومياً، وأنها تعمل على توفير السيولة عبر حلول داخلية والاقتراض، في وقت كشف فيه أعضاء باللجنة المالية أن القروض الخارجية المطروحة مخصصة للمشاريع وليس لتمويل الرواتب.
ويعتمد العراق على النفط في أكثر من 80% من إيراداته، إلا أن تراجع الصادرات بسبب الحرب أدى إلى أزمة سيولة دفعت الحكومة إلى السحب من احتياطيات البنك المركزي، وسط استمرار الضغوط لتأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين.