بغداد/ أحمد كوكب
حذر عضو مجلس النواب فراس المسلماوي، اليوم الأربعاء، من أن استمرار التصعيد العسكري والضربات الجوية الأخيرة التي نفذتها طائرات أميركية وسعودية ضد مواقع للفصائل المسلحة داخل العراق يزيد صعوبة مهمة الحكومة في حصر السلاح بيد الدولة، فيما يرى متخصصون سياسيون أن التصعيد يقلص هامش الفصل بين المؤسسة الرسمية والسلاح خارجها ويفرض ضغوطا لتوحيد القرار العسكري. وفي المقابل، يؤكد خبراء اقتصاد أن شراء الأسلحة ينطوي على كلف «فلكية»، وأن نجاح مشروع حصر السلاح من شأنه حماية البيئة الاستثمارية ودعم التنمية.
وأكد المسلماوي، المتحدث باسم ائتلاف الإعمار والتنمية، خلال حديث لـ«المدى»، أن استمرار التصعيد العسكري داخل الأراضي العراقية يزيد صعوبة المهمة الإجرائية والميدانية الملقاة على عاتق الحكومة في فرض مسار حصر السلاح بيد الدولة، محذرا من التداعيات الخطيرة لأي اعتداءات جديدة على ركائز الاستقرار الأمني والسياسي في البلاد.
وقال إن الضربات الجوية التي استهدفت مواقع متفرقة داخل العراق تشكل «انتهاكا صارخا للسيادة الوطنية العراقية»، فضلا عن كونها تمثل خرقا للقوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة، لافتا إلى أنها جاءت رغم التزام الحكومة بالتحقيق في المزاعم والادعاءات المتعلقة بالهجمات السابقة، بدلا من التوجه نحو خيارات التصعيد العسكري المتبادل.
وأضاف أن مجلس النواب قد يمارس دوره الرقابي الدستوري خلال الفترة المقبلة، عبر استضافة الوزراء والقيادات الأمنية المعنية، أو التوجه إلى تشكيل لجنة تحقيقية نيابية لمتابعة التداعيات الأمنية والسياسية المترتبة على هذه التطورات، إلى جانب مناقشة الإجراءات الحكومية المتخذة بشأنها وتقييمها.
وأشار المسلماوي إلى أن أي اعتداء خارجي جديد قد يفتح الباب أمام ردود فعل ميدانية غير محسوبة، بما يهدد الاستقرار الداخلي ويعقد مساعي الدولة لضبط الملف الأمني، مؤكدا ضرورة منع تحول الساحة العراقية إلى ميدان مفتوح للصراعات والمواجهات الإقليمية.
وشدد على أن التعاطي الرسمي مع هذه المستجدات الأمنية ينبغي أن يمر عبر الأطر القانونية والمؤسساتية الرسمية، مبينا أن حق العراق في الدفاع عن أراضيه وسيادته مكفول بموجب القوانين والمواثيق الدولية.
ولفت إلى أن استمرار الضربات العسكرية داخل الحدود العراقية سيمتد تأثيره إلى الواقع الاقتصادي، إذ يضعف تراجع الاستقرار الأمني ثقة الشركات والمستثمرين الأجانب، ويعطل تنفيذ المشاريع الاستراتيجية، وفي مقدمتها مشروع «طريق التنمية»، فضلا عن دفع بعض الدول والشركاء إلى إعادة تقييم أطر تعاونهم الاقتصادي والتجاري مع بغداد.
وفي ظل التعقيدات الميدانية والضربات المشتركة الأخيرة، يقرأ متخصصون سياسيون رسائل الغارات بوصفها ضغطا متزايدا على الإرادة الرسمية لإنهاء تعدد الجهات المسلحة وتحديد نقطة الاتزان السيادي في التعامل مع ملف الفصائل.
وأوضح المتخصص في الشأن السياسي علي الحبيب، خلال حديث لـ«المدى»، أن التصعيد العسكري الأخير يمثل رسالة واضحة مفادها أن أي هجوم ينطلق من الأراضي العراقية سيحمل الدولة كلفة سياسية وأمنية عالية، حتى إن لم تكن الحكومة هي الجهة التي نفذته، مبينا أن هذا التطور يحمل إشارة ضمنية موجهة إلى الفصائل المسلحة.
ولفت الحبيب إلى أن المشهد الراهن يعكس تراجع هامش الفصل بين مؤسسات الدولة الرسمية والفصائل، إذ بات المجتمع الدولي ينظر إلى بغداد بوصفها مسؤولة عن منع استخدام أراضيها لتهديد أمن دول الجوار.
وأكد أن ذلك يضع الحكومة أمام اختبار لحماية السيادة ومنع الانجرار إلى الصراعات الإقليمية، إلى جانب مضاعفة الضغوط لتسريع إجراءات ضبط السلاح ومنع الهجمات العابرة للحدود.
ونبه إلى أن هذه التطورات ستنعكس على مشروع حصر السلاح بيد الدولة في المدى القصير، عبر زيادة الضغوط السياسية والأمنية لإعادة تفعيل الملف باعتباره ضرورة مرتبطة بحماية السيادة، وليس مجرد إصلاح داخلي.
وبين أن ذلك قد يرسخ لدى المؤسسات الرسمية قناعة بأهمية إيجاد مركز موحد للقرار العسكري، بما يبعد العراق عن المواجهات الميدانية الخارجية.
واستدرك الحبيب بأن تنفيذ الخطة قد يواجه تعقيدات في ظل الضربات الخارجية الأخيرة، إذ قد تنظر الفصائل إلى توقيت الاستهداف بوصفه يحمل أبعادا سياسية أو عسكرية موجهة ضدها، ما قد يدفعها إلى تأخير تسليم السلاح بدلا من التعاون السريع.
وأشار إلى أن المواقف الميدانية قد تتباين بين أطراف تتجه إلى التهدئة لتفادي المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة والسعودية وتقليل الخسائر، وأخرى تتمسك بسلاحها بذريعة الردع والبيئة الإقليمية المحيطة، مرجحا انخفاض النشاط العلني لبعض الفصائل مقابل تمسك أخرى بسلاحها، بما يعمق أزمة ضبط الميدان.
وبين أن مشروع حصر السلاح يعد، بالدرجة الأولى، مشروعا سياسيا قبل أن يكون إجراء أمنيا، وأن نجاحه يتطلب توافقا صريحا بين القوى الشيعية الرئيسية، بدعم من القوى السنية والكردية، لضمان عدم تحول الملف إلى أزمة داخلية جديدة.
وأكد أن التوافق يمثل النقطة الجوهرية لحسم المسار، وتوفير الغطاء السياسي للحكومة من أجل كبح أي تحرك خارج الإطار الرسمي.
ورجح الحبيب اعتماد سيناريو التدرج في تسليم السلاح وتفكيك الأزمة، بدلا من الحسم السريع، موضحا أن هذا المسار قد يتزامن مع تكثيف الحوارات وفرض رقابة أكبر على حركة الأسلحة والقدرات العسكرية، إلى جانب إعادة دمج بعض التشكيلات وتنظيمها ضمن الأطر الرسمية، لمنع احتكاك داخلي واسع.
ورأى أن سيناريو المواجهة الشاملة يبقى الأقل ترجيحا بسبب ارتفاع كلفته الأمنية والسياسية، ما يجعل الملف خاضعا لاختبار الإرادة السياسية بعد موعد 30 أيلول/سبتمبر المقبل، لحسم المسار وتجنب الانعكاسات الخطيرة المترتبة على استمرار الوضع الراهن.
وعلى الصعيد المالي، يقيم خبراء الاقتصاد الكلف المترتبة على آليات تطبيق مشروع حصر السلاح، مؤكدين أن المسارات التنظيمية والاحتواء المؤسسي يسهمان في توفير موارد الخزينة وجذب الاستثمارات وتجنب تبديد الأموال في صفقات التعويض.
وقال المتخصص في الشأن الاقتصادي داوود الحلفي، في وقت سابق لـ«المدى»، إن خيار شراء الأسلحة من الفصائل أو المواطنين يتجاوز قدرة الموازنة العامة للدولة بكثير، مشيرا إلى أن وجود أكثر من 15 مليون قطعة سلاح ينطوي على كلفة مالية «فلكية» وغير واقعية، ولا سيما إذا تجاوز سعر القطعة الخفيفة الواحدة مليون دينار، ما يجعل الشراء الشامل خيارا غير ممكن ماليا.
وأوضح الحلفي أن المعالجة الأكثر عملية تكمن في ضم منتسبي الفصائل إلى التشكيلات الرسمية، بحيث تنتقل الأسلحة الخفيفة والمتوسطة معهم إلى مخازن ومؤسسات الدولة مباشرة، فيما تسلم الأسلحة الثقيلة فورا إلى مخازن الحكومة، لكونها من الاختصاصات الحصرية للمؤسسة العسكرية، ولا يجوز بقاؤها خارج نطاق السيطرة الرسمية.
وتابع أن جزءا كبيرا من سلاح الفصائل جرى تمويله أساسا من أموال الدولة العراقية، عبر الموازنات التشغيلية والرواتب والدعم اللوجستي، وبالتالي لا يمكن التعامل معه بوصفه ملكية خاصة تستوجب التعويض ودفع قيمته مرة أخرى.
ولفت إلى أن التعويض قد يقتصر على الأسلحة التي يثبت شراؤها بأموال خاصة، وفق تسويات مالية تقل كثيرا عن قيمتها السوقية.
وأضاف أن الأسلحة التي زودت بها دول خارجية بعض الفصائل لا ينبغي أن تتحمل الخزينة العراقية كلفتها، بل يجري التعامل معها عبر التفاهم مع الجهات الموردة، أو ضمها مباشرة إلى مخازن الدولة، بدلا من دفع مبالغ لقاء سلاح لم تدفع بغداد ثمنه أصلا.
وأكد الحلفي أن الدولة معنية أيضا بشراء الأسلحة المتوسطة الموجودة لدى العشائر، مع السماح للمواطنين بالاحتفاظ بالسلاح الخفيف بعد تنظيمه وإجازته قانونيا لأغراض الدفاع الشخصي، ومنع بقاء الأسلحة الثقيلة وفوق المتوسطة خارج المؤسسات الرسمية.
وأشار إلى أن العائد الاقتصادي الناجم عن نجاح حصر السلاح بيد الدولة يفوق بكثير كلف التنفيذ الميداني، إذ إن استقرار البيئة الأمنية يعيد ثقة الشركات الأجنبية ويشجع تدفق رؤوس الأموال، بعد سنوات من التردد الناجم عن مخاطر السلاح المنفلت.
وتوقع أن يتيح نجاح المشروع للحكومة توجيه مواردها المالية نحو الخدمات والبنى التحتية والتنمية الاقتصادية، بدلا من استنزافها في الاحتواء الأمني والضغوط الخارجية.
وحذر الحلفي من أن رفض بعض الجهات تسليم السلاح طوعا قد يفرز خسائر اقتصادية جسيمة، تشمل تدمير البنى التحتية وتراجع الاستثمار وهروب الشركات الأجنبية، مؤكدا أن التسليم الطوعي يظل الخيار الأقل كلفة.
وختم بالقول إن نجاح المشروع يتطلب عقلية دولة وإرادة وطنية تحول الموارد المهدرة إلى مشاريع استثمارية يلمس المواطن آثارها مباشرة.
ويأتي طرح الملف عقب إعلان الحكومة العراقية المضي في خطة شاملة لحصر السلاح بيد الدولة، وتحديد مهلة تنتهي في 30 أيلول/سبتمبر لتسوية أوضاع الأسلحة غير المرخصة، ضمن مسار يهدف إلى إنهاء مظاهر السلاح خارج المؤسسات الرسمية وتفكيك البيئة المشجعة على الاختراقات، وسط ضغوط داخلية ودولية متزايدة لإنجاز الملف بوصفه أحد أبرز الاستحقاقات السيادية لترسيخ سلطة القانون وتحسين البيئة الأمنية والاقتصادية في البلاد.