متابعة/المدى
تتجه طهران إلى استقبال تحرك دبلوماسي متزامن تقوده باكستان وسلطنة عُمان، في وقت تستعد فيه واشنطن للإعلان عن حزمة جديدة من العقوبات الاقتصادية على إيران، بينما تلوّح الأخيرة بتصعيد إجراءاتها في الخليج ومضيق هرمز إذا استمرت الضغوط الاقتصادية الأمريكية.
ومن المقرر أن يصل قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إلى طهران، الاثنين، على رأس وفد رسمي، على أن يزورها وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي الثلاثاء، في إطار تحركات تتصل بالوساطة والمفاوضات المتعلقة بالتوتر الإقليمي.
وأكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن منير سيلتقي مسؤولين إيرانيين كباراً، في سياق الجهود الباكستانية لتعزيز السلام والأمن في المنطقة. كما أكد مصدران حكوميان باكستانيان الزيارة، موضحاً أحدهما أن المحادثات ستتناول التطورات الأخيرة، ومنها التهديد الأمريكي بفرض عقوبات اقتصادية جديدة على طهران.
وتؤدي إسلام آباد دوراً في الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، في وقت لم تُجرَ فيه محادثات مباشرة بين واشنطن وطهران منذ الجولة التي عقدت في سويسرا خلال يونيو/حزيران. ورغم توقف الضربات المباشرة بين الطرفين منذ أسابيع، لم تتمكن المساعي الدبلوماسية من تحقيق اختراق ينهي الحرب المستمرة منذ نحو ستة أشهر.
وبالتوازي، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي سيصل إلى طهران الثلاثاء لاستكمال المحادثات بين إيران وسلطنة عُمان بشأن مضيق هرمز.
وكانت طهران قد أعلنت في وقت سابق من أغسطس/آب التوصل إلى تفاهم مع مسقط بشأن مسار للملاحة في المضيق، مع استمرار العمل على ترتيبات إدارته، لكنها ربطت إعادة فتح الممر بصورة أوسع بإنهاء الولايات المتحدة حصارها البحري على الموانئ الإيرانية.
ويشكل هرمز إحدى أبرز نقاط التوتر في الصراع، بعدما فرضت إيران قيوداً فعلية على الملاحة منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط، وهددت بمهاجمة السفن التي تعبر من دون إذن، فيما تفرض الولايات المتحدة بدورها قيوداً على حركة السفن المرتبطة بإيران.
عقوبات أمريكية مرتقبة
وتأتي التحركات الدبلوماسية قبل إعلان أمريكي مرتقب عن إجراءات اقتصادية جديدة تستهدف إيران وشركاءها التجاريين.
ومن المنتظر أن يكشف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت تفاصيل الإجراءات خلال مؤتمر صحفي الاثنين، بعدما وصف الحملة في مقال نشرته صحيفة “فايننشال تايمز” بأنها “إنزال اقتصادي”، وقال إنها ستكون “أكبر هجوم مالي جرى حشده ضد خصم”.
ولم تحدد واشنطن حتى الآن طبيعة الإجراءات أو الدول والشركات التي ستشملها، إلا أن بيسنت قال إن الولايات المتحدة ستستهدف الدول التي تواصل التعامل مع الاقتصاد والنظام المالي الإيرانيين، محذراً مما وصفها بسياسة “استرضاء” إيران.
وتشير التصريحات الأمريكية إلى اعتماد الحملة بدرجة كبيرة على العقوبات الثانوية، التي تستهدف شركات ومؤسسات خارج إيران تواصل التعامل التجاري معها، بدلاً من الاقتصار على إضافة جهات إيرانية جديدة إلى قوائم العقوبات.
وكانت إدارة الرئيس دونالد ترمب قد دعت دولاً أخرى، بينها الصين، إلى الانضمام إلى جهود عزل إيران اقتصادياً. وتُعد بكين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، فيما تواصل طهران تصدير جزء من إنتاجها رغم العقوبات والحصار البحري الأمريكي، من خلال ما يعرف بـ”أسطول الظل” من الناقلات.
ورفضت الصين الدعوات الأمريكية، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان إن العقوبات والضغط لا يساعدان في حل المشكلة، داعياً الأطراف إلى معالجة الأزمة بالوسائل السياسية والدبلوماسية.
طهران تهدد بوقف صادرات النفط
وفي المقابل، صعّدت إيران لهجتها تجاه الدول التي قد تدعم الإجراءات الأمريكية.
وقال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي إن استمرار “الحرب الاقتصادية” سيقود إلى وقف صادرات النفط الإيرانية، مضيفاً: “لن تُصدّر قطرة نفط واحدة، لا عبر مضيق هرمز ولا من أي مكان في الخليج”.
واعتبر رضائي مشاركة أي دولة في الإجراءات الاقتصادية الأمريكية أو دعمها لها “عملاً حربياً”، كما سبق أن حذر دول المنطقة من الانضمام إلى حملة واشنطن، مهدداً باعتبار الدول التي تفرض قيوداً اقتصادية على إيران “عدواً” واستهداف مصالح الدول التي لا تنأى بنفسها عن السياسة الأمريكية.
بدوره، وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التهديد الأمريكي بعقوبات جديدة بأنه دليل على “اليأس”، مؤكداً أن هذه السياسة ستفشل، وداعياً واشنطن إلى التعامل مع طهران “باحترام” إذا كانت تسعى إلى التوصل لحل.
وفي ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية، أقر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأحد، بأن المجتمع الإيراني يواجه “مشكلات كثيرة”، مؤكداً أن حكومته تعمل على منع تدهور الوضع.
وتواجه إيران تداعيات الحرب والعقوبات وتراجع العملة وارتفاع التضخم ونقص الطاقة، فيما كان اقتصادها يعاني قبل الحرب أصلاً من عقوبات دولية مزمنة وتضخم مرتفع وضعف العملة ومشكلات هيكلية ونقص في الطاقة.
ومنذ فبراير/شباط، أضيفت إلى تلك الأزمات أضرار في البنية التحتية وتعطل للتجارة وفقدان جزء من الإنتاج وارتفاع تكاليف إعادة الإعمار، في وقت سجل فيه الريال الإيراني مستوى قياسياً منخفضاً أمام الدولار في السوق غير الرسمية، وفقاً لرويترز.
هرمز تحت المراقبة
وتظهر أحدث بيانات الملاحة أن حركة السفن في مضيق هرمز لا تزال أدنى بكثير من مستوياتها الطبيعية.
وأظهرت بيانات شركة “كبلر” عبور 17 سفينة لنقل السلع المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع، بينها أربع سفن الأحد و13 السبت، مقارنة بـ16 سفينة الجمعة. وتشير البيانات إلى احتمال أن تكون الأرقام الفعلية أعلى بسبب إيقاف بعض السفن أجهزة التعريف الآلي أثناء العبور.
ومن بين التحركات المرصودة دخول ناقلتي نفط خام عملاقتين فارغتين إلى الخليج الجمعة، اتجهت إحداهما إلى العراق والأخرى إلى البحرين، بينما خرجت الخميس ناقلة عملاقة محملة بنحو مليوني برميل من الخام الإماراتي.
كما عبرت ثماني ناقلات كبيرة للغاز المضيق خلال ثلاثة أيام، دخلت ست منها الخليج فارغة، فيما خرجت ناقلتان محملتان بغاز البترول المسال من إيران.
وقالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن حركة السفن التي ترصدها أنظمة التعرف الآلي لا تزال أقل بنحو 90% من مستويات ما قبل الصراع.
وسجلت الهيئة خلال الأيام السبعة المنتهية في 21 أغسطس/آب دخول 103 سفن إلى المضيق وخروج 89، مشيرة إلى أن ناقلات النفط والمنتجات النفطية والمواد الكيميائية وناقلات الغاز تمثل الجزء الأكبر من الحركة المتبقية.
وأفادت الهيئة بتسجيل 23 حادثة تعرضت فيها سفن لضربات بمقذوفات منذ السادس من يوليو/تموز، تسببت بأضرار في جسور السفن وغرف المحركات والهياكل.
باب المندب وأسعار النفط
ولا تزال حركة الملاحة في باب المندب مضطربة أيضاً، إذ أظهرت بيانات “كبلر” عبور 24 سفينة لنقل السلع الأحد، مقابل 32 السبت و22 الجمعة، فيما دخلت ناقلتا نفط عملاقتان البحر الأحمر السبت، كانت إحداهما تحمل خام البصرة العراقي.
وتراجعت أسعار النفط خلال التعاملات الآسيوية الاثنين مع ترقب المستثمرين تفاصيل العقوبات الأمريكية الجديدة.
وانخفض خام برنت بأكثر من دولار إلى نحو 93 دولاراً للبرميل، بينما تراجع خام غرب تكساس الوسيط إلى نحو 86 دولاراً، بعد مكاسب تجاوزت 5% لكلا الخامين خلال الأسبوع الماضي.
وتبقى الأسواق قلقة من تأثير العقوبات على صادرات إيران، ومن احتمال رد طهران بتشديد القيود على الملاحة في هرمز أو استهداف منشآت وشحنات الطاقة في المنطقة.
ورغم الحديث عن تحسن تدفقات الخام عبر المضيق، تكشف بيانات تتبع السفن فجوة كبيرة بين التقديرات الرسمية الأمريكية وحركة الملاحة المرصودة؛ إذ قال وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت إن تدفقات الخام اقتربت من مستويات ما قبل الحرب، البالغة نحو 15 مليون برميل يومياً، بينما تشير بيانات تتبع السفن إلى نحو خمسة ملايين برميل يومياً.