أحمد كوكب/المدى
في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تبني سياسات فعالة لإدارة النفايات، يعود ملف الخردة في بغداد إلى الواجهة وسط تحذيرات من تداعياته البيئية والاقتصادية، مقابل تأكيدات حكومية بأن إجراءات الرقابة والبيع تتم وفق الأطر القانونية المعتمدة.
وحذر عضو مرصد العراق الأخضر، عمر عبد اللطيف، خلال حديث لـ(المدى)، من أن “بغداد لا تمتلك حتى الآن بنية تحتية أو منظومة فعالة لإعادة التدوير”، مشيراً إلى أن “العمل الحالي يقتصر على مجرد الجمع والنقل، في حين ينفرد القطاع الخاص والعشوائيات بعمليات صهر بدائية تطلق غاز “الدايوكسين” الذي يعد أخطر مادة مسرطنة في العالم، فضلاً عن تطاير جزيئات الرصاص والزرنيخ والكادميوم في الهواء”.
ولفت إلى أن “غياب الإحصائيات الرسمية لحجم الخردة، وتراكمها العشوائي في الساحات يشكل قنبلة موقوتة تتسبب بتلوث التربة والمياه الجوفية بالمعادن الثقيلة والسموم والزيوت المسربة، ناهيك عن مخاطر الانفجارات جراء احتمالية وجود أسطوانات غاز أو مخلفات حرب ملوثة بالإشعاعات تعود لحقبتي 1991 و2003”.
وخلص إلى أن “غياب الرقابة والتدوير يتسبب بنزيف اقتصادي يقدر بمليارات الدنانير سنوياً نتيجة الهدر المستمر في مواد خام ثمينة مثل الحديد والنحاس والألمنيوم، وضياع آلاف فرص العمل”.
ودعا إلى “تحرك عاجل لتشريع قانون إعادة تدوير النفايات المعدنية، ومنع تصدير الخردة الخام، وتأسيس مصانع كبرى خاضعة لتكنولوجيا الرقابة البيئية لوقف هذا التدهور”.
من جهته، قال المتحدث باسم أمانة بغداد، عدي الجنديل، في حديث لـ(المدى)، إن “جميع المواد المستهلكة والخردة المودعة في المخازن تخضع لإجراءات رقابية وتدقيقية دقيقة لتثبيت قيمتها الدفترية، وصولاً إلى طرحها في مزايدات علنية وفقاً للقوانين النافذة”.
وأكد الجنديل أن “لا وجود لأي تلاعب أو فساد في ملف الخردة والمواد المستهلكة، وأن الأمانة تحتفظ بكافة الأوليات الخاصة بالمواد المبيعة أو المخزونة”.
وأوضح أن “الأمانة بدأت بالفعل بالتحرك نحو الاستثمار البيئي للمستهلكات عبر تشغيل معمل لإعادة تدوير الإطارات المستهلكة بالشراكة مع القطاع الخاص لتخفيف عبء الطمر التقليدي وتحويلها إلى مواد أولية”.
وأشار إلى أن “لجان الصيانة الفنية ودائرة الوحدات الإنتاجية مستمرة في إصلاح وإدامة الآليات التخصصية القابلة للإصلاح لإبقائها في الخدمة وتقليل كلف الاستبدال”.
وفي هذا السياق، قال النائب السابق عباس سروط، خلال حديث تابعته (المدى)، إن “ملف تجارة الخردة ونقل المخلفات الصناعية وغيرها من القضايا المرتبطة بها أُثيرت حولها الكثير من علامات الاستفهام خلال السنوات الماضية”، مبيناً أن “التحقيقات فُتحت بشأن العديد من الشحنات، وتمت إحالة عدد منها إلى هيئة النزاهة وفق المعلومات المتوفرة”.
وأشار سروط إلى “ضرورة تشكيل لجنة عليا تأخذ على عاتقها متابعة هذا الملف بشكل دقيق”، لافتاً إلى أن “هناك حديثاً عن عمليات تحايل في تصنيف ونقل الخردة، بحيث لا تنطبق المواصفات الحقيقية على بعض المواد المنقولة، الأمر الذي يستوجب تحقيقاً معمقاً، وأن إخضاع نقل الخردة والحديد لإجراءات مشددة كفيل بمنع أي عمليات تحايل أو استنزاف للقدرات الاقتصادية للدولة”.
إلى ذلك، أوضح المتخصص في الشأن الصناعي، أحمد موسى، خلال حديث لـ(المدى)، أن “الفساد داخل بعض مؤسسات وهيئات الدولة جعل من ملف الخردة و(السكراب) وسيلة للتغطية على تفكيك خطوط إنتاج كاملة، أو نقل مواد يمكن إعادة استخدامها، بذريعة أنها خردة”، مبيناً أن “هذا الأسلوب يؤدي إلى تقليل قيمتها السوقية وبيعها بأسعار زهيدة، بما يحقق أرباحاً غير مشروعة لجهات محددة”.
وأضاف أن “التعامل مع الخردة في دول العالم يتم وفق آليات واضحة باعتبارها ثروة وطنية، وليس مجرد مخلفات”، مشدداً على “ضرورة إعادة النظر بهذا الملف بالكامل”، كاشفاً أن “أكثر من 20 ملفاً مفتوحاً حالياً لدى الجهات الرقابية بشأن تجارة السكراب على مستوى البلاد، مع تفكيك بعض الشبكات المتورطة، فيما لا تزال أخرى قيد التحقيق”.
ويستمر ملف الخردة في العراق بإثارة تساؤلات بشأن آليات إدارة وبيع المخلفات الصناعية والعسكرية، والجهات المتحكمة بهذه التجارة، وحجم العوائد المالية التي تحققها، فضلاً عن مدى فاعلية الرقابة على عمليات الفرز والبيع، في ظل مخاوف من تحولها إلى نشاط اقتصادي موازٍ خارج رقابة الدولة، الأمر الذي يتطلب إجراءات حكومية أكثر حزماً.