متابعة/المدى
في ظل التصعيد العسكري في اليمن، برزت تحركات إقليمية جديدة مع إعلان بدء تنفيذ التزامات الدفاع المشترك وتوفير القدرات العسكرية اللازمة للدفاع عن السعودية، بالتزامن مع إعلان القوات الحكومية اليمنية استعادة مواقع استراتيجية على الساحل الغربي، بينها مدينة المخا وميناؤها ومطار ذباب، ما يفتح الباب أمام تطورات جديدة في مسار المعارك وتداعياتها الإقليمية.
وقال أستاذ العلاقات الدولية والدراسات الأمنية في جامعة قطر بكيل الزنداني إن هناك مستوى عالياً من التنسيق بين الدول الأعضاء في حلف مكة منذ تشكيله، مشيراً إلى أن الحلف حسم موقفه بشأن المشاركة في الدفاع عن أمن واستقرار وسيادة السعودية.
وأوضح الزنداني أن القوات التي يتوقع وجودها لن تنشر بهدف المشاركة المباشرة في الحرب داخل اليمن، وإنما ستؤدي مهام دفاعية في حال تعرض السعودية لتهديدات، لافتاً إلى أن تصريحات حوثية بشأن إمكانية حظر الأجواء السعودية أمام الطيران المدني قد تقود إلى نتائج سلبية على الجماعة.
من جانبه، قال لقاء مكي، الباحث الأول بمركز الجزيرة للدراسات، إن السعودية تواجه خطراً مباشراً مرتبطاً بالحرب الحالية، يتمثل بإمكانية حدوث هجوم بري حوثي على أراضيها، مبيناً أن تحرك الحلف قد يرتبط أيضاً بالتطورات المحتملة في الحرب الأمريكية الإيرانية.
وأضاف مكي أن وجود عشرات الآلاف من القوات البرية في منطقة الخليج يمكن أن يوفر قدرة على الدفاع عن دول الخليج في حال توسع الحرب، خصوصاً إذا حاولت إيران احتلال مناطق خليجية رداً على تدخل بري أمريكي محتمل داخل أراضيها.
بدوره، رأى محجوب الزويري، الأكاديمي والخبير بسياسات الشرق الأوسط، أن تحرك حلف مكة يأتي في إطار تحرك إقليمي أوسع لإعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي، مؤكداً أن الحلف يمكن أن يؤدي دوراً في ضمان أمن السعودية براً وجواً وبحراً، إلى جانب المساعدة في تغيير المشهد السياسي اليمني بالاستناد إلى القرار الأممي 2216.
وقال إبراهيم فريحات، أستاذ الصراعات الدولية بمعهد الدوحة للدراسات العليا، إن تحرك حلف مكة يمثل اختباراً للحلف نفسه أكثر من كونه عاملاً مؤثراً بصورة مباشرة في مجريات الحرب اليمنية، مبيناً أن التحرك يرسل رسالة إقليمية تتجاوز اليمن إلى إيران وهيكل الأمن في المنطقة.
وأشار فريحات إلى أن المتوقع أن يتركز دور الحلف في المجالات الأمنية والاستخبارية واللوجستية وعلى الحدود الجنوبية للسعودية، وليس المشاركة المباشرة في العمليات العسكرية داخل اليمن.
وفي الجانب العسكري، قال العميد إيلياس حنا، الخبير العسكري والاستراتيجي، إن طبيعة جغرافية الساحل اليمني تفرض نمط العمليات العسكرية، مشيراً إلى أن التطورات الأخيرة تعكس منظومة جديدة تقوم على وجود مقاتلين على الأرض من جانب الحكومة اليمنية، وغطاء جوي سعودي، ودعم أمريكي، وصولاً إلى الدور الذي يؤديه حلف مكة.
وأكد حنا أن دور الحلف لا ينبغي فهمه باعتباره عسكرياً وأمنياً فقط، مشيراً إلى وجود دور دبلوماسي وسياسي له، في ضوء تأكيدات وزير الخارجية التركي هاكان فدان على الحلول السياسية والدبلوماسية.
من جهته، قال إيلي برينر، المحلل الاستراتيجي في الحزب الجمهوري الأمريكي، إن الولايات المتحدة ملتزمة بدعم السعودية في النزاع، مشيراً إلى استمرار الدعم العسكري عبر الأسلحة والذخائر، فضلاً عن تأمين طائرات “إف-35” وبطاريات “باتريوت”.
ورأى برينر أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تتعامل بحذر مع الوضع، لأنها لا تريد توسع الحرب، مبيناً أن الاتفاق مع الحوثيين بشأن عدم إغلاق باب المندب قد يكون مرناً، خصوصاً إذا لم تثبت الجماعة قدرتها على فرض عقوبات على الولايات المتحدة عبر إغلاق المضيق.
في المقابل، شكك حسن أحمديان، أستاذ دراسات الشرق الأوسط بجامعة طهران، في الروايات المتعلقة بالتقدم العسكري للقوات الحكومية اليمنية، داعياً إلى التريث في تقييم التطورات الميدانية، ومؤكداً أن الحديث عن فقدان إيران أوراقها أو حلفائها ما يزال بعيداً عن الواقع.
وقال أحمديان إن إيران دعمت أنصار الله على مدى السنوات الماضية، لكنه استبعد أن تكون طهران بصدد احتلال دول أخرى، مؤكداً أن تركيا وباكستان لن تتجها إلى مواجهة إيران في صراع لا يرتبط مباشرة بأمنهما.
وأضاف أن إيران، في حال وصول الحوثيين إلى مرحلة حرجة تهدد بقاءهم، ستدافع عنهم باعتبارهم حليفاً لها، مشيراً إلى أن طهران ترى أن أنصار الله لا يمكن هزيمتهم.
وفي السياق ذاته، قال صالح المطيري، رئيس مركز المدار للدراسات السياسية، إن تصريحات قيادات حوثية سابقة تؤكد وجود ارتباط بين الجماعة وإيران، مشيراً إلى أن تحييد الجبهة اليمنية يمثل أحد أهداف التحرك الأمريكي، بما يسمح بتأمين الممرات البحرية في حال تصاعد المواجهة حول مضيق هرمز.
وأضاف المطيري أن التحالفات الإقليمية والتحركات العسكرية في اليمن تحظى بدعم أمريكي، وأن استراتيجية واشنطن الأمنية تقوم على إسناد مهمة حفظ الأمن والاستقرار الإقليمي إلى الحلفاء.
من جانبه، أوضح الزويري أن الهدف من العمليات العسكرية الحالية لا يتمثل في القضاء على الحوثيين كجماعة سياسية أو مكون اجتماعي، وإنما تحجيم قدراتهم المسلحة وإعادة هيبة الدولة اليمنية، مع التركيز على حماية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وأشار العميد إيلياس حنا إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد اتجاهاً نحو الحديدة، مبيناً أن استمرار العمليات باتجاه الساحل سيؤدي إلى منع الحوثيين من الوصول إلى البحر بصورة كاملة.
وأكد فريحات أن القضاء على الحوثيين بصورة كاملة من المجتمع اليمني ليس مطروحاً، مبيناً أن الاختبار الحقيقي للتقدم العسكري سيكون في الحديدة، بعد استعادة مناطق استولى عليها الحوثيون حديثاً ولم تكن محصنة بالقدر الكافي.
وفي ما يتعلق بالموقف الإيراني والمفاوضات مع الولايات المتحدة، قال الزويري إن الرئيس الأمريكي يركز بصورة أساسية على الملف النووي الإيراني، موضحاً أن التفاوض يدور حول نسبة تخصيب اليورانيوم، والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وضمان عدم انتقال البرنامج النووي إلى الاستخدام العسكري.
بدوره، رأى مكي أن إيران لن تكون مستعدة للدخول في مفاوضات نووية في ظل استمرار الضغوط والحصار، فيما أكد أحمديان أن طهران ترفض التفاوض على برنامجها النووي تحت الحصار، معتبراً أن القضية بالنسبة لإيران تتصل باستقلال قرارها.
وقال إبراهيم فريحات إن استمرار التقدم السعودي والحكومي اليمني قد يزيد الضغط على إيران، لكنه لا يعتقد أن ذلك سيؤثر بصورة كبيرة في المفاوضات الأمريكية الإيرانية بشأن مضيق هرمز، مؤكداً أن الوسطاء ما زالوا يعملون على إبقاء مسار التفاوض مفتوحاً.
وأشار العميد إيلياس حنا إلى أن إعادة نشر القاذفات الأمريكية من قاعدة فيرفورد البريطانية قد تكون جزءاً من استراتيجية خداع وعامل مفاجأة، مبيناً أن أهميتها العسكرية ليست كبيرة في ظل وجود حاملات الطائرات وقوات المارينز الأمريكية في المنطقة.
من جانبه، قال برينر إن وصول حاملة طائرات إلى المنطقة وإرسال قوات من المارينز يمثلان مؤشرين على استمرار الاستعداد العسكري الأمريكي، مؤكداً أن القاذفات الأمريكية قادرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى حتى من داخل الولايات المتحدة.
وفي ختام النقاش، أكد مكي أن استمرار المفاوضات لا يعني بالضرورة نجاحها، محذراً من أن اندلاع حرب أمريكية إيرانية سيكون مكلفاً لجميع الأطراف ولن ينتهي بسهولة، فيما قال الزويري إن الولايات المتحدة وإسرائيل ستواصلان الضغط على إيران بشأن السلاح النووي وأمن الممرات المائية.
من جهته، أكد أحمديان أن إيران لن تفاوض بشأن برنامجها النووي في ظل الحصار، معتبراً أن الإصرار الأمريكي على معالجة الملف النووي بهذه الطريقة يمثل خطأً في الحسابات.
المصدر: نقاش الساعة