متابعة/ المدى
أقرت الحكومة العراقية الجديدة بحجم التحديات المالية والاقتصادية التي تواجه البلاد في ظل استمرار الحرب وتداعيات إغلاق مضيق هرمز، وسط تحذيرات متصاعدة من دخول الاقتصاد العراقي مرحلة أكثر تعقيداً مع استمرار تراجع صادرات النفط، وارتفاع العجز المالي، وتضخم الإنفاق التشغيلي.
وانخفضت صادرات العراق النفطية إلى نحو 210 آلاف برميل يومياً، بعد أن كانت تتجاوز 3.5 مليون برميل يومياً، نتيجة توقف الصادرات عبر موانئ البصرة بسبب إغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة الانتقادات المتعلقة بفشل الحكومات المتعاقبة في تنويع منافذ التصدير وعدم تقليل الاعتماد على الخليج بوصفه المنفذ الرئيسي للصادرات النفطية.
وقال مصدر سياسي مقرب من الحكومة، لصحيفة “الشرق الأوسط”، إن الحكومة “تنتظر بفارغ الصبر انتهاء الحرب لاستئناف تصدير النفط”، محذراً من أن استمرار الأزمة سيدفعها إلى “الزحف على الاحتياطي المالي لتغطية النفقات التشغيلية”.
وأضاف المصدر، أن “الأوضاع ستكون غير مطمئنة تماماً بالنسبة للحكومة الجديدة إذا استمرت الحرب، في ظل توقف النفط وارتفاع المديونية وتراجع إنتاج الطاقة الكهربائية، فضلاً عن اتساع البطالة ونزول العاطلين إلى الشوارع للتظاهر”.
وفي مقابل هذه التحذيرات، يواصل البنك المركزي العراقي التأكيد على قدرة الدولة في الوفاء بالتزاماتها المالية واستقرار سعر الصرف، مع الدعوة إلى اعتماد “موازنة البرامج” لمعالجة الاختلالات البنيوية في الاقتصاد.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني، في حديث تابعته (المدى)، إن “العراق خلال السنوات العشرين الماضية كان يسجل عجوزات مخططة في الموازنات تنتهي غالباً بفوائض، باستثناء أعوام محددة، لكن العجز المزمن والحقيقي ظهر بشكل واضح خلال أعوام 2023 و2024 و2025 و2026”.
وتوقع المشهداني أن “عدم القدرة على إيقاف العجز في موازنات الدولة العراقية سيستمر خلال السنوات العشر المقبلة”، مبيناً أن “التوسع في الإنفاق التشغيلي والتعيينات الحكومية والاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية يدفع الاقتصاد العراقي نحو ضغوط مالية متزايدة قد تجعل الاقتراض خياراً دائماً”.
وأضاف أن “هذا التقدير لا يستند إلى الانطباعات بل إلى مسار الموازنة العامة والإنفاق الفعلي”، لافتاً إلى أن “صندوق النقد الدولي نشر خلال عام 2024 دراسة تحدثت عن تصاعد الدين العراقي خلال السنوات المقبلة ليصل إلى نحو 275 مليار دولار بحلول عام 2029”.
وأوضح المشهداني، في حديث تابعته (المدى)، أن “الدين الداخلي يقترب حالياً من 102 إلى 103 تريليونات دينار، إلى جانب دين خارجي يبلغ نحو 14 مليار دولار”، مشيراً إلى أن “البلاد ما تزال في بدايات الأزمة المالية”.
وأكد أن “السبب الرئيسي يعود إلى التوسع الكبير في الإنفاق التشغيلي، ولاسيما ملف الرواتب والأجور والتعيينات التي شهدتها الأعوام الأخيرة”، مبيناً أن “تخصيصات الرواتب ارتفعت من نحو 41 إلى 42 تريليون دينار خلال أعوام 2019 – 2021، إلى أكثر من 70 تريليون دينار حالياً”.
وأشار إلى أن “أعداد الموظفين ارتفعت بأكثر من مليون و550 ألف موظف، بينهم أكثر من مليون و70 ألف تعيين ضمن موازنة 2023، إضافة إلى 480 ألف تعيين خلال عامي 2024 و2025”.
وأضاف أن “إجمالي الرواتب والأجور ورواتب المتقاعدين والحماية الاجتماعية يقترب من 100 تريليون دينار، أي ما يعادل 60 إلى 66 بالمئة من الإنفاق العام”، واصفاً الرقم بأنه “مرعب”، لكنه أكد أن “الحكومات والبرلمان لا يجرؤون على تقليل الرواتب أو تقليص التوظيف”.
ولفت المشهداني إلى “وجود ضغوط نيابية مستمرة باتجاه التعيينات، مع توقيع أكثر من 200 نائب على مطالبات بتعيين الأوائل والخريجين والمهن الصحية وحملة الشهادات والخريجين القدماء”، مؤكداً أن ذلك “يفاقم الالتزامات المالية على الدولة”.
وكان محافظ البنك المركزي العراقي علي العلاق قد أعلن، الخميس الماضي، تحول عجز الموازنة من “عجز مخطط” إلى “عجز فعلي ومزمن”، معتبراً أن ذلك يعكس خللاً في بنية الاقتصاد العراقي نتيجة الاعتماد الكامل على النفط، فيما أشار إلى احتمال اللجوء إلى الاقتراض الخارجي بعد وصول قدرة المصارف الحكومية على الإقراض إلى حدودها القصوى.
وفي سياق متصل، أكد النائب عن الإطار التنسيقي مختار الموسوي، في حديث تابعته (المدى)، أن زيارة رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني إلى بغداد “تمثل خطوة مهمة باتجاه تعزيز التفاهمات”، خصوصاً في ظل الملفات المالية والنفطية المعقدة التي تواجه البلاد.
وقال الموسوي إن “اللقاءات التي جرت خلال الزيارة أسهمت في تحقيق تقدم ملحوظ على مستوى تقريب وجهات النظر بين بغداد وأربيل، ولاسيما في ما يتعلق بإدارة الموارد النفطية وتوزيع الإيرادات المالية”.
وأضاف أن “هناك إرادة سياسية مشتركة لدفع العلاقات نحو مسار أكثر استقراراً، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة المقبلة ويدعم الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي”.
وأشار إلى أن “الملفات العالقة، وفي مقدمتها النفط ورواتب موظفي الإقليم والمستحقات المالية، كانت محوراً أساسياً في النقاشات”، مع وجود “مؤشرات على إمكانية التوصل إلى تفاهمات عملية خلال الفترة المقبلة”.
في الأثناء، ما تزال البلاد تعمل وفق تخصيصات مالية مؤقتة بعد مرور 16 شهراً من دون تمرير جداول الموازنة الاتحادية، الأمر الذي تسبب بتوقف آلاف المشاريع وتعطيل آليات التوظيف والاستثمار.
وعلى صعيد ملف النفط، كشفت منصة الطاقة المتخصصة، نقلاً عن مصدر عراقي مطلع، أن جولة مباحثات جديدة ستُعقد خلال الأيام المقبلة بين بغداد وعمّان بهدف تجديد اتفاق تصدير النفط الخام إلى الأردن.
وأكد المصدر أن “الحكومة العراقية الجديدة تدفع باتجاه الاستفادة من جميع فرص التصدير المتاحة حتى وإن كانت بقدرات محدودة”، في ظل تراجع الصادرات عبر الموانئ الجنوبية بسبب أزمة مضيق هرمز.
وأشار إلى أن “التوقعات تشير إلى إمكانية حسم الملف خلال أيام، على أن تُستأنف صادرات النفط العراقي إلى الأردن بحد أقصى نهاية حزيران المقبل”.
من جهتها، قالت الناطقة الرسمية باسم وزارة الطاقة الأردنية ليندا النعيمات، في تصريح لمنصة الطاقة، إن “استيراد النفط الخام من العراق لم يُستأنف حتى الآن”.