متابعة/المدى
يحذّر مختصون في الشأن البيئي من أن استمرار الاعتماد الواسع على البلاستيك في الحياة اليومية داخل العراق بات يمثل تهديداً متصاعداً لا يقتصر على التلوث البيئي أو تشويه المشهد العام، بل يمتد ليشكل خطراً مباشراً على صحة الإنسان نتيجة تسرب الجزيئات الدقيقة والمواد الكيميائية إلى الغذاء والمياه والهواء.
وخلال السنوات الماضية، تصاعدت التحذيرات من تداعيات النفايات البلاستيكية مع ازدياد استخدام الأكياس وعبوات التغليف والمواد المصنوعة من النايلون، في ظل ضعف منظومات الفرز وإعادة التدوير، ما أدى إلى تراكم المخلفات في المدن والأرياف على حد سواء.
وفي سياق متصل، فتحت الحكومة ملف التلوث البلاستيكي بوصفه أزمة بيئية وصحية آخذة بالاتساع، مع توجهات رسمية للحد من استخدام المنتجات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد وتقليل آثارها السلبية.
وأقر مجلس الوزراء حزمة إجراءات جديدة تهدف إلى تقليص استهلاك الأكياس البلاستيكية، من بينها منع توزيعها مجاناً في منافذ التسوق، وحظر استخدامها داخل الأفران خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر، إضافة إلى فرض رسوم على المصانع المنتجة لأكياس النايلون، على أن تُخصص جزء من العائدات لدعم مشاريع إعادة التدوير وبرامج التوعية البيئية.
وتأتي هذه القرارات ضمن مسار حكومي بدأ منذ سنوات، إذ سبق للحكومة منذ عام 2018 أن اتخذت خطوات للحد من مخاطر المواد البلاستيكية، من بينها منع استيراد المواد البلاستيكية المعاد تدويرها المستخدمة في حفظ الأغذية والمشروبات، بسبب المخاوف من احتوائها على مركبات ضارة بالصحة العامة.
وفي هذا الإطار، يشكو المواطن فراس محمد من الانتشار العشوائي للنفايات البلاستيكية في الشوارع والأنهار، وما يسببه ذلك من انسداد لمجاري الصرف الصحي وتلوث مصادر المياه بمخلفات ضارة.
من جانبها، تؤكد المواطنة وسن صالح أن الإجراءات الحكومية الجديدة تحتاج إلى دعم مجتمعي واسع، يبدأ من تغيير السلوك الاستهلاكي وتقليل الاعتماد على البلاستيك، مروراً بتشجيع البدائل القابلة للتحلل، وصولاً إلى تعزيز ثقافة إعادة التدوير داخل المؤسسات والمنازل.
أضرار صحية وبيئية متصاعدة
لم تعد مخاطر البلاستيك، بحسب مختصين، تقتصر على التلوث البصري أو البيئي، بل تجاوزت ذلك لتنعكس على صحة الإنسان ونظامه البيئي بشكل مباشر.
ويقول الناشط البيئي فلاح الأميري إن بعض أنواع البلاستيك تحتوي على مركبات كيميائية خطرة مثل مادة BPA، والتي ترتبط باختلالات هرمونية ومشاكل في الإنجاب، إضافة إلى ارتباطها بأمراض القلب والسرطان. ويوضح أن هذه المواد قد تتسرب إلى الطعام والشراب، خصوصاً عند تخزينها في أوانٍ بلاستيكية تحت درجات حرارة مرتفعة أو متقلبة.
ويضيف الأميري أن الجزيئات البلاستيكية الدقيقة أصبحت تدخل جسم الإنسان عبر مياه الشرب والأغذية البحرية وحتى الهواء، ما قد يؤدي إلى تراكمها في الأعضاء وحدوث التهابات مزمنة وتأثيرات صحية طويلة الأمد.
كما يحذّر من لجوء بعض المناطق إلى حرق النفايات البلاستيكية بشكل عشوائي، وهو ما يؤدي إلى انبعاث مواد سامة مثل الديوكسينات التي تؤثر على الجهاز التنفسي والجلد وتُعد من أخطر الملوثات البيئية.
وعلى المستوى البيئي، يشير الأميري إلى أن النفايات البلاستيكية لا تتحلل إلا بعد مئات السنين، ما يؤدي إلى تسرب جزيئاتها إلى التربة والمياه الجوفية والأنهار، وبالتالي التأثير على جودة المياه والحياة المائية.
كما يلفت إلى أن الحيوانات، ولا سيما الطيور والأسماك، قد تبتلع البلاستيك أو تعلق به، ما يؤدي إلى نفوقها أو إصابتها باضطرابات غذائية خطيرة، مشيراً إلى أن المدن الكبرى مثل بغداد والبصرة تعاني بشكل خاص من انسداد شبكات الصرف الصحي بالبلاستيك، الأمر الذي يساهم في حدوث فيضانات وتدهور البنى التحتية.
ويضيف الأميري أن صناعة البلاستيك تسهم أيضاً في تفاقم التغير المناخي بسبب اعتمادها على الوقود الأحفوري، ما يزيد من انبعاث الغازات الدفيئة.
ويقترح الناشط البيئي حزمة حلول تشمل إجراءات تشريعية ومجتمعية وتقنية، أبرزها سن قوانين تمنع استخدام الأكياس البلاستيكية أحادية الاستخدام، وفرض رسوم للحد من استهلاكها، ودعم إنشاء مصانع لإعادة التدوير في جميع المحافظات، وإدراج ملف التلوث البلاستيكي ضمن الاستراتيجية الوطنية للبيئة، إلى جانب تشجيع الاستثمار في بدائل البلاستيك الحيوي والاستفادة من التجارب الدولية الناجحة.
آلية حديثة لإدارة النفايات في بغداد
من جهته، أوضح المتحدث باسم أمانة بغداد عدي الجنديل أن إدارة النفايات في العاصمة تعتمد آلية حديثة لجمع المخلفات من الأحياء والأزقة والشوارع الرئيسة، حيث يتم كبسها داخل مكابس موزعة في المدينة، ثم نقلها إلى خارج حدود بغداد ضمن منظومة نقل منظمة.
وأضاف الجنديل أن الحاويات تمر عبر موقعين رئيسيين هما النباعي والنهروان، وذلك وفق المحددات البيئية الصادرة عن وزارة البيئة، وفي إطار الرؤية الحديثة لتطوير واقع العاصمة.
وبيّن أن أمانة بغداد حصلت على فرصة استثمارية لإنشاء معامل لتحويل النفايات إلى طاقة كهربائية، في مشروع وصفه بأنه بيئي متكامل يعتمد على تقنيات حديثة من الجيل الرابع، ويهدف إلى الاستفادة من النفايات دون الحاجة إلى فرزها مسبقاً، حيث يتم خلط مختلف أنواع النفايات، بما فيها البلاستيك، وحرقها لإنتاج الطاقة الكهربائية.
وأشار إلى أن العراق يعاني من نقص في الطاقة الكهربائية، ما يجعل هذا المشروع، بحسب قوله، خطوة مهمة لتعزيز الشبكة الوطنية، موضحاً أن الأعمال التنفيذية بدأت فعلياً عبر فحص التربة وإنشاء البنى التحتية، مع انطلاق المرحلة الأولى في منطقة النهروان، حيث تم حرق 3000 طن من النفايات لإنتاج 100 ميغاواط من الكهرباء.
وختم الجنديل بالإشارة إلى أن أمانة بغداد تخطط لتوسيع التجربة إلى منطقة أبو غريب، في وقت تستقبل فيه العاصمة يومياً ما بين 9 إلى 10 آلاف طن من النفايات، سيتم استثمارها في معامل تحويل النفايات إلى طاقة، بما يسهم في معالجة ملف النفايات وتعزيز إنتاج الكهرباء بشكل مستدام.
وتشير الإحصائيات إلى أن النفايات البلاستيكية تشكل نحو 17% من إجمالي النفايات في العراق، التي تصل إلى قرابة 32 ألف طن يومياً، أي ما يعادل نحو 500 إلى 600 طن من النفايات البلاستيكية يومياً.