أحمد كوكب/المدى
أكد المتخصص بالشأن الاقتصادي والطاقة والنفط والغاز، كونفيد شرواني، أن العراق يمتلك احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي تتجاوز 130 تريليون قدم مكعب قياسي، ما يضعه في المرتبة الحادية عشرة أو الثانية عشرة عالمياً، إلا أن إنتاجه الحالي لا يزال بحدود 1500 مليون قدم مكعب، بسبب التأخر في اتخاذ قرارات جادة لاستثمار الغاز خلال العقدين الماضيين.
وقال شرواني، خلال حديث لـ(المدى) إن نسبة استثمار الغاز المصاحب للنفط بلغت نحو 70%، مع وجود خطط لدى وزارة النفط لرفعها إلى 100% خلال العامين أو الأعوام الثلاثة المقبلة، مبيناً أن الوصول إلى هذه النسبة سيتيح للعراق تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي، والاستغناء عن استيراد الغاز والكهرباء من إحدى الدول المجاورة، بما يوفر على الدولة ما بين 4 و5 مليارات دولار سنوياً.
وأوضح أن العقبة الأساسية التي أعاقت استثمار الغاز تتمثل في اعتماد العراق على الإيرادات النفطية لتمويل الموازنة العامة، الأمر الذي أدى إلى غياب القرارات الجدية الخاصة باستثمار الغاز الطبيعي، لافتاً إلى أن أسعار الغاز تضاعفت ثلاث أو أربع مرات منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في شباط 2022، وكان بالإمكان تحقيق عوائد مالية كبيرة لو اتخذت خطوات مبكرة لاستثمار هذه الثروة، وربما تجاوز العراق مرحلة الاكتفاء الذاتي ووصل إلى مرحلة التصدير.
وأشار شرواني إلى أن انقطاع إمدادات الغاز الإيراني، التي تبلغ نحو 50 مليون متر مكعب يومياً، تسبب بخسارة العراق نحو 3000 ميغاواط من إنتاج الكهرباء، مؤكداً أن إنتاج هذه الكميات محلياً من حقول الغاز أو الحقول المشتركة للنفط والغاز سيتيح استعادة هذه القدرة، بل وتحقيق زيادات تتراوح بين 6000 و7000 ميغاواط إضافية، في حال تسريع مشاريع استثمار الغاز وعزل الغاز عن النفط في حقول جنوب العراق.
وأضاف أن أحد أبرز المشاريع في هذا المجال يتمثل بالعقد المبرم مع شركة “توتال إنيرجي” الفرنسية، الذي يتضمن عزل نحو 600 مليون قدم مكعب قياسي من الغاز في حقول الجنوب، وهو ما سيشكل رافداً مهماً لتجهيز الوقود اللازم لمحطات إنتاج الطاقة الكهربائية في جنوب العراق.
وبيّن أن الغاز الطبيعي في العراق يتوزع في مواقع مختلفة، منها حقول الغاز الحر مثل حقل المنصورية في محافظة ديالى، وحقل عكاس في محافظة الأنبار، وحقل السيبة في محافظة البصرة، فضلاً عن كميات كبيرة من الغاز المصاحب للنفط في العديد من الحقول، مؤكداً أن الحاجة تكمن في تجميع هذا الغاز وكبسه ونقله إلى محطات إنتاج الكهرباء للاستفادة منه.
ورأى شرواني أن تقدم مشاريع استثمار الغاز سيُمكّن العراق من الوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي خلال ثلاثة أو أربعة أعوام، تمهيداً للانتقال إلى مرحلة التصدير، مرجحاً أن يكون التصدير عبر خطوط الأنابيب باتجاه الأسواق الأوروبية التي تشهد طلباً متزايداً على مصادر الطاقة.
وأضاف أن هناك أفكاراً لمشاريع ربط الغاز الطبيعي عبر العراق، من خلال نقل الغاز من قطر مروراً بمياه الخليج ثم العراق وتركيا وصولاً إلى أوروبا، معتبراً أن مثل هذه المشاريع قد تتيح للعراق مستقبلاً التحول إلى أحد كبار مصدري الغاز الطبيعي إلى دول أوروبا الغربية.
وأكد أن من أبرز المعوقات التي تؤخر استثمار الغاز الطبيعي والانتقال من مرحلة الاكتفاء إلى مرحلة التصدير الحاجة إلى استثمارات كبيرة، فضلاً عن أن تقنيات صناعة الغاز تختلف عن التقنيات المستخدمة في قطاع النفط، ما يتطلب الاستعانة بشركات متخصصة بهذا المجال.
وأشار إلى أنه كان من المفترض، منذ عام 2003، العمل بوتيرة متسارعة على استكشاف واستثمار الغاز بالتوازي مع مشاريع تطوير القطاع النفطي، لضمان الاستفادة من الثروتين معاً.
وختم شرواني بالقول إن الغاز الطبيعي يمتلك ميزة إضافية تتمثل في عدم وجود سقف للكميات الممكن إنتاجها وتصديرها، خلافاً للنفط الذي يخضع لقيود منظمة “أوبك” وتحالف “أوبك بلس”، مؤكداً أن انتقال العراق إلى مرحلة إنتاج وتصدير الغاز سيفتح المجال أمام تصدير كميات غير محددة، بما يحقق عوائد مالية كبيرة تسهم في دعم الاقتصاد العراقي خلال المرحلة الحالية.
من جهته، حدد النائب السابق عارف الحمامي، موعد انتهاء ظاهرة حرق الغاز المصاحب لإنتاج النفط في الحقول العراقية، لأول مرة في تاريخ البلاد منذ بدء إنتاج النفط قبل نحو 100 عام.
وقال الحمامي في حديث تابعته(المدى) إن “عملية استثمار الغاز المصاحب لإنتاج النفط ليست سهلة كما يعتقد البعض، فهي تتطلب تكنولوجيا متقدمة ومعقدة، إضافة إلى وقت ليس بالقليل لاستكمال محاورها الفنية والتقنية”.
وأضاف أن “مشاريع استثمار الغاز المعتمدة حالياً في الحقول العراقية حققت نسب إنجاز عالية”، متوقعاً أن “تنتهي ظاهرة حرق الغاز المصاحب بشكل كامل مع نهاية العام الجاري أو خلال عام 2027 على أبعد تقدير”.
وأشار إلى أن “التقديرات المالية لحجم الخسائر الناجمة عن حرق الغاز المصاحب متباينة، لكنها حتماً تصل إلى عدة مليارات من الدولارات سنوياً، وهي تمثل ثروة حقيقية أهدرها العراق على مدى عقود طويلة”، لافتاً إلى أن “الواقع اليوم مختلف في ظل التسارع الكبير بعمليات استثمار الغاز”.
وبيّن الحمامي أن “لحرق الغاز ارتدادات بيئية خطيرة، من بينها تلويث الأجواء، ولا سيما في المناطق الجنوبية، وما يسببه ذلك من ضغوط على الواقع الصحي وانتشار الأمراض، وهو أمر لا يختلف عليه اثنان”.
وأكد أن “استثمار الغاز يمثل حلقة اقتصادية مهمة، ستكون لها انعكاسات إيجابية كبيرة، سواء في توفير كميات من الغاز لتشغيل محطات إنتاج الكهرباء، أو إمكانية تصدير الفائض منه مستقبلاً”، مشيراً إلى أن “إنهاء الحرق سيفتح آفاقاً اقتصادية وبيئية واسعة للبلاد”.
ويعتمد العراق بشكل كبير على إنتاج النفط، إلا أن نسبة كبيرة من الغاز المصاحب كانت تُحرق في الحقول نتيجة ضعف البنى التحتية لمعالجته خلال العقود الماضية.