متابعة/المدى
في معركة تتجاوز حدود المطاردات الأمنية وحواجز التفتيش، يواجه العراق تحدياً متنامياً يتمثل بانتشار المخدرات وتأثيراتها على النسيج الاجتماعي ومستقبل الشباب. وبين عمليات الضبط والاعتقالات المتواصلة، تتسع دائرة المواجهة لتشمل المؤسسات الأمنية والتربوية والدينية والمجتمعية في محاولة لاحتواء واحدة من أخطر الظواهر التي تهدد البلاد.
وتخوض الأجهزة الأمنية العراقية في العاصمة بغداد والمحافظات والمنافذ الحدودية ما تصفه السلطات بحرب مفتوحة ضد شبكات المخدرات، عبر تنفيذ عمليات مداهمة واعتقالات شبه يومية تستهدف التجار والمروجين والشبكات الدولية المرتبطة بعمليات التهريب عبر الحدود.
وفي وقت تعلن فيه الجهات الرسمية عن ضبط أطنان من المواد المخدرة وإلقاء القبض على آلاف المتهمين خلال عام 2026، يحذر مختصون ورجال دين ونشطاء من أن المواجهة لم تعد مقتصرة على الجانب الأمني، بل تحولت إلى قضية اجتماعية وثقافية تمس بنية المجتمع العراقي وطاقاته الشابة.
وفي هذا الإطار، أكد مدير العلاقات والإعلام في المديرية العامة لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية بوزارة الداخلية، العقيد عباس البهادلي، أن التحول المؤسسي في ملف مكافحة المخدرات شكّل نقطة مفصلية في مواجهة الظاهرة.
وقال البهادلي في حديث تابعته(المدى) إن المديرية كانت في السابق عبارة عن أقسام صغيرة مرتبطة بالشرطة والاستخبارات، ولم تكن تمتلك الإمكانات الكافية للتعامل مع حجم التهديد الذي تمثله المخدرات للمجتمع.
وأضاف أن الحكومة العراقية استجابت لهذا التحدي من خلال إنشاء مديرية عامة ترتبط مباشرة بوزارة الداخلية، مع توسيع صلاحياتها وانتشارها في المحافظات، ما أسهم في تطوير العمل الأمني والاستخباري ضد شبكات الاتجار بالمخدرات.
وأوضح البهادلي أن استراتيجية المكافحة في العراق لم تعد تعتمد على الأساليب الدفاعية، مبيناً أن المديرية انتقلت من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة المواجهة المباشرة والعمليات الاستباقية، مشيراً إلى أن القوات العراقية تمكنت خلال السنوات الأخيرة من تفكيك آلاف الشبكات واعتقال عدد من أخطر وأكبر تجار المخدرات.
كما كشف عن تنفيذ نحو 65 عملية خارج العراق منذ عام 2023 بالتنسيق مع جهات إقليمية ودولية، بهدف استهداف شبكات التهريب ومنع وصول المواد المخدرة إلى الداخل العراقي.
وتؤكد وزارة الداخلية أن هذه العمليات تأتي ضمن استراتيجية تهدف إلى منع دخول المخدرات من مصادرها، خصوصاً مع تطور أساليب التهريب، ومنها استخدام البالونات الهوائية لعبور الحدود، كما حدث في عملية إحباط تهريب شحنة تضم أكثر من 198 ألف حبة مخدرة عبر مناطق غرب الأنبار.
وعلى صعيد المعالجة والتأهيل، أشار البهادلي إلى أن الحكومة وسعت من جهودها في إنشاء مراكز تأهيل المدمنين، حيث تم افتتاح 16 مركزاً للتأهيل النفسي والطبي والاجتماعي، بينها ثلاثة مراكز في بغداد، لافتاً إلى أن أكثر من 7270 متعافياً عادوا إلى المجتمع منذ عام 2023.
وأضاف أن فصل المتعاطين عن التجار داخل المؤسسات الإصلاحية شكّل خطوة مهمة، بعد أن كان المدمنون يُزجّ بهم سابقاً في السجون إلى جانب تجار المخدرات.
وبيّن أن الارتفاع الكبير في أسعار بعض المواد المخدرة، ومنها مادة الكريستال التي ارتفع سعر الغرام الواحد منها من 10 آلاف دينار إلى نحو 200 ألف دينار، يعكس تراجع المعروض داخل السوق المحلية نتيجة العمليات الأمنية المستمرة.
وحذر البهادلي من أن الفئة العمرية الأكثر استهدافاً من قبل شبكات المخدرات تتراوح بين 16 و40 عاماً، معتبراً أن ذلك يمثل استهدافاً مباشراً للطاقات المنتجة ومحاولة لإفراغ البلاد من رأس مالها البشري.
من جهته، أكد رجل الدين الشيخ نور الساعدي أن مواجهة المخدرات لا تقتصر على الجهد الأمني، بل تشمل أبعاداً فكرية وروحية أيضاً.
وقال الساعدي خلال حديث تابعته(المدى) إن مروجي المخدرات يستغلون أوقات الفراغ لتحويلها إلى بوابة للإدمان، مشدداً على أهمية أن يركز الخطاب الديني على بناء الذات وتعزيز الرقابة الداخلية لدى الشباب.
وأضاف أن العقل يمثل مناط التكليف، وأن إفساده بالمخدرات يعني هدم البناء الإنساني الذي كرمه الله، داعياً إلى توجيه طاقات الشباب نحو الرياضة والعمل التطوعي واكتساب المهارات المختلفة.
بدورها، ترى الناشطة رقية سلمان أن مكافحة المخدرات تتطلب استراتيجية مجتمعية شاملة، مشيرة إلى أن الشباب العراقي يمتلك قدراً كبيراً من الوعي، إلا أن كثيرين منهم لا يدركون المخاطر الصحية والقانونية والاجتماعية المرتبطة بهذه الآفة.
ودعت سلمان إلى تكثيف حملات التوعية في المدارس والجامعات ودور العبادة، فضلاً عن تعزيز دور منظمات المجتمع المدني في إعداد الدراسات وتنفيذ البرامج التثقيفية المستمرة لمواجهة انتشار المخدرات.