متابعة/المدى
لم تكن الضربات الجوية التي استهدفت مواقع داخل العراق مجرد تطور أمني عابر، بل وضعت العلاقات العراقية – السعودية أمام اختبار هو الأصعب منذ سنوات، بعد مرحلة شهدت تقارباً سياسياً واقتصادياً متدرجاً، كان من المفترض أن تبلغ ذروتها بزيارة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي إلى الرياض، قبل أن تؤجل بفعل التطورات الأخيرة.
وبينما تمسكت بغداد والرياض بخطاب رسمي يدعو إلى احتواء الأزمة، تصاعدت في الداخل العراقي مواقف سياسية وبحثية متباينة، تراوحت بين تحميل السعودية مسؤولية تعقيد المشهد، والدعوة إلى الحفاظ على العلاقات الثنائية وعدم الانجرار نحو قطيعة جديدة، في وقت حذرت فيه تقارير دولية من أن الضربات قد تدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة.
وقال مصدر سعودي حكومي، في حديث لوكالة الشرق السعودية، إن المملكة حريصة على علاقاتها مع جمهورية العراق حكومةً وشعباً، مؤكداً أن الضربة الجوية لم تكن موجهة ضد الدولة العراقية أو شعبها، وإنما استهدفت “قدرات المليشيات” التي تتهمها الرياض بتنفيذ هجمات على منشآتها الحيوية.
وأضاف المصدر أن العملية جاءت بعد استنفاد المسارات الدبلوماسية والسياسية، وكانت “دقيقة ومحدودة”، مؤكداً أن المملكة لا تسعى إلى التصعيد، لكنها سترد على أي اعتداءات تنطلق من الأراضي العراقية.
في المقابل، دعا النائب سعود الساعدي، في وثائق اطلعت عليها (المدى)، الحكومة إلى اتخاذ إجراءات قانونية عاجلة لاستعادة ملكية أنبوب النفط العراقي الممتد عبر الأراضي السعودية (الزبير – خريص – ينبع)، مؤكداً أن الخط أُنشئ بأموال عراقية بلغت نحو 2.6 مليار دولار، ويعد ملكاً للشعب العراقي.
ويرى الباحث في الشأن السياسي حامد شهاب، في مقال تابعته (المدى)، أن الضربات الأخيرة تمثل نقطة تحول خطيرة في العلاقات العراقية السعودية، بعد سنوات من محاولات الحكومات العراقية المتعاقبة إعادة بناء الثقة مع الرياض.
ويشير إلى أن توقيت الضربات أدى عملياً إلى إجهاض الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء إلى السعودية، والتي كان يعول عليها في تطوير التعاون بمجالات الطاقة والكهرباء والاستثمار، معتبراً أن ما حدث قد يمنح الفصائل المسلحة مبرراً إضافياً للتمسك بسلاحها، ويعقد جهود الحكومة في تنفيذ مشروع حصر السلاح بيد الدولة.
ويضيف شهاب أن الولايات المتحدة ربما دفعت السعودية إلى الانخراط في المواجهة مع الفصائل، الأمر الذي انعكس سلباً على مسار التقارب العراقي – السعودي، وأعاد العلاقات إلى مرحلة من التوتر بعد مؤشرات إيجابية تحققت خلال السنوات الماضية.
في المقابل، يقدم شهاب قراءة مختلفة، إذ يرى، أن ما جرى لا ينبغي النظر إليه باعتباره أزمة عراقية – سعودية بقدر ما هو جزء من الحرب الإقليمية الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران.
ويشير إلى أن الضربات جاءت في إطار ما تعتبره الرياض إجراءات استباقية لمنع هجمات تستهدف أراضيها، مؤكداً أن استمرار الخطاب الهادئ من بغداد والرياض يعكس رغبة مشتركة في احتواء الأزمة وعدم الذهاب إلى مواجهة سياسية مفتوحة.
ويضيف أن الرسالة الأساسية للضربات كانت موجهة إلى الفصائل المسلحة، ومفادها أن أي هجوم على السعودية سيقابل برد مباشر داخل الأراضي العراقية، الأمر الذي يعيد إلى الواجهة ملف حصر السلاح بيد الدولة باعتباره أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومة.
من جانبه، أكد النائب عن الإطار التنسيقي عبد الله حامد، في تصريح تابعته (المدى)، أن استهداف مقرات الحشد الشعبي يمثل اعتداءً على مؤسسة أمنية رسمية وانتهاكاً واضحاً لسيادة العراق، داعياً إلى تحرك حكومي وسياسي ودبلوماسي يضمن عدم تكرار مثل هذه الاعتداءات، وعدم تحويل الأراضي العراقية إلى ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية.
وفي السياق ذاته، حذرت صحيفة الغارديان البريطانية، من أن انخراط السعودية بصورة مباشرة في الضربات العسكرية داخل العراق يمثل تحولاً جديداً في مسار الحرب الإقليمية، وقد يفتح الباب أمام ردود يصعب التنبؤ بها، بما يوسع دائرة الصراع في المنطقة.
ورأت الصحيفة أن اتساع رقعة المواجهة يزيد من حالة الغموض بشأن مستقبل الأمن الإقليمي، في ظل تداخل الملفات العراقية والإيرانية والخليجية.
المصدر: وكالات