متابعة/المدى
تتحرك بغداد على مسارين متوازيين لإعادة ترتيب علاقاتها الخارجية، الأول باتجاه دول الخليج عبر رسائل تطمين أمنية وسياسية، والثاني نحو واشنطن من خلال زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء علي الزيدي، تسعى الحكومة عبرها إلى توسيع الشراكة الاقتصادية والاستثمارية، مع إبقاء ملفات السيادة وحصر السلاح والاستقرار الإقليمي في صدارة المباحثات.
رسائل إلى الخليج
أكد وزير الخارجية فؤاد حسين، خلال لقائه نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان في الرياض، أن العراق لن يسمح باستخدام أراضيه أو أجوائه منطلقاً لأي أعمال أو هجمات تستهدف المملكة العربية السعودية أو دول مجلس التعاون الخليجي.
وجاءت زيارة حسين إلى الرياض ضمن جولة خليجية بدأها من الكويت، في وقت تحاول فيه بغداد احتواء تداعيات التوتر الذي أثارته هجمات الفصائل المسلحة على دول في المنطقة، من خلال إرسال رسائل سياسية وأمنية تؤكد التزام الحكومة بمنع تحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وبحث الوزيران العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها في مختلف المجالات، إلى جانب مناقشة مستجدات الأوضاع في المنطقة والقضايا ذات الاهتمام المشترك، فيما أكد حسين أن بغداد تميز بين موقف الدولة الرسمي وتحركات أطراف مسلحة لا تخضع بالكامل لقرارها السياسي.
الثقة عبر بوابة الرياض
يرى المحلل السياسي إحسان الشمري، في حديث تابعته (المدى)، أن هجمات الفصائل المسلحة تجاه المملكة العربية السعودية خلال الحرب الأخيرة لم تكن حدثاً عابراً، بل أسهمت في الإضرار بعلاقات العراق مع الرياض، رغم أن المملكة تعاملت معها بضبط النفس، وطالبت بغداد باتخاذ موقف حاسم تجاه الجماعات التي استخدمت الأراضي العراقية لاستهداف الأمن القومي الخليجي.
ويقول الشمري إن إعلان رئيس الوزراء علي الزيدي اعتماد سياسة خارجية تقوم على تعزيز العلاقات العربية والإقليمية والدولية، دفع وزارة الخارجية إلى التركيز على ترميم العلاقة مع دول الخليج، بعد أن تأثرت هذه العلاقات بالحرب التي اندلعت بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
ويشير إلى أن موقف ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، بعد تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة، عكس حرص الرياض على استمرار العلاقة مع العراق بمعزل عن تحركات الجماعات المسلحة، وفتح المجال أمام إعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي.
ويؤكد الشمري أن بغداد تحتاج إلى استعادة ثقة دول الخليج من بوابة الرياض، من خلال تبني رؤية جديدة للعلاقات مع العواصم الخليجية، ومعالجة ملف الفصائل المسلحة، ومنع استخدام الأراضي العراقية بما يهدد الأمن السعودي والخليجي.
ويضيف أن توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري بين بغداد والرياض يرتبط بقدرة الدولة العراقية على احتكار استخدام القوة، واتخاذ إجراءات تمنع تكرار الهجمات، بما يسمح بالانتقال إلى مرحلة أوسع من الشراكات في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة.
واشنطن وشراكة مختلفة
بالتزامن مع الجولة الخليجية، تتجه الأنظار إلى زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي المرتقبة إلى الولايات المتحدة، التي ينتظر أن تتناول تطوير العلاقة بين بغداد وواشنطن، ونقلها من إدارة الأزمات والملفات الأمنية إلى التعاون الاقتصادي والاستثماري.
وكان الزيدي قد أكد، في مقال نشرته صحيفة واشنطن بوست، أن مباحثاته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ستتركز على جذب الشركات الأمريكية إلى العراق، وتطوير التعاون في قطاعات الطاقة والتصنيع والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، إلى جانب توسيع اتفاقية الإطار الاستراتيجي ومواصلة تطوير القدرات الأمنية العراقية.
وأوضح أن انتهاء مهمة قوات التحالف الدولي في العراق في 30 أيلول المقبل سيمثل بداية مرحلة جديدة من الشراكة مع الولايات المتحدة، تقوم على التعاون الاقتصادي والتنموي والانفتاح على النظام الاقتصادي والمالي العالمي.
حصر السلاح
يقول الخبير الأمني عبد الغني الغضبان، في حديث تابعته (المدى)، إن زيارة الزيدي إلى الولايات المتحدة تمثل محطة مهمة في مسار العلاقة بين بغداد وواشنطن، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء يمتلك مساحة للمناورة استناداً إلى الجدول الزمني الذي أبلغ به الجانب الأمريكي لاستكمال إجراءات حصر السلاح مع انتهاء مهمة القوات الأمريكية في إقليم كردستان نهاية أيلول المقبل.
ويرى الغضبان أن التصعيد المتجدد بين الولايات المتحدة وإيران لا يعني بالضرورة دخول الفصائل العراقية في المواجهة، لأن غالبية هذه الفصائل لا ترغب في خوض حرب جديدة، ولا سيما بعد تقديم بعضها تعهدات بالسير في مسار تسليم السلاح إلى الدولة، باستثناء أطراف ما تزال تتخذ موقفاً مختلفاً.
ويحذر من أن أي مشاركة عسكرية مباشرة ستضع تلك الفصائل أمام تحديات تتعلق باستخدام الأسلحة النوعية، مثل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، في وقت أعلنت فيه سابقاً أنها لا تمتلك هذه الأسلحة، وأن ما كان بحوزتها من أسلحة ثقيلة جرى تسليمه إلى الحكومة.
مشروع للمنطقة الشامية
ويرى أستاذ العلوم السياسية والشؤون الاستراتيجية علي بشار أغوان، في حديث تابعته (المدى)، أن زيارة الزيدي إلى واشنطن تمثل فرصة لطرح مشروع اقتصادي وتنموي متكامل يمكن أن يقوده العراق في المنطقة الشامية، التي تضم سوريا والأردن ولبنان.
ويقول أغوان إن المقصود بإدارة المنطقة الشامية ليس الدور الأمني أو العسكري، وإنما قيادة مشروع اقتصادي وتنموي يحظى بغطاء أمريكي، مستنداً إلى تحول الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط من التوسع العسكري إلى بناء منظومة إقليمية تعتمد على الشركاء القادرين على إنتاج الاستقرار وتأمين الممرات التجارية وحماية شبكات الطاقة.
ويضيف أن العراق يمتلك فرصة للانتقال من دولة منشغلة بأزماتها الداخلية إلى دولة تقود مشروعاً إقليمياً، اعتماداً على موقعه الجغرافي وموارد الطاقة ومشروع طريق التنمية وقدرته على الربط بين الخليج وسوريا وتركيا.
ويربط أغوان نجاح هذا الدور بقدرة العراق على مكافحة الفساد، وتوحيد القرار الأمني، وتوفير بيئة جاذبة للاستثمار، وإقامة شراكات إقليمية متوازنة، ولا سيما مع تركيا، إلى جانب تقديم نفسه شريكاً يمكن للولايات المتحدة الاعتماد عليه من دون الانخراط المباشر في أعباء المنطقة.
ممرات تربط الخليج بالشام
ومن أبرز المشاريع المطروحة في سياق التحولات الإقليمية، ما جرى بحثه بين مسؤولين سوريين وإماراتيين بشأن إنشاء ممر لوجستي يربط الموانئ السورية بالأسواق الخليجية عبر العراق.
ويتضمن المسار المقترح ربط الموانئ السورية بميناء أم قصر، ثم امتداده إلى ميناء خليفة في الإمارات، إلى جانب بحث فرص استثمارية في الموانئ والمناطق الحرة والموانئ الجافة، وإنشاء مركز لوجستي محتمل عند معبر التنف.
ولا يزال المشروع في مرحلة البحث والتنسيق، إلا أنه يتقاطع مع توجه العراق للاستفادة من موقعه الجغرافي وتحويله إلى محور لحركة التجارة بين الخليج وبلاد الشام، مع ما يمكن أن يوفره ذلك من خدمات نقل ومخازن ومناطق صناعية وفرص عمل.
ويأتي هذا المسار بالتوازي مع مشروع طريق التنمية الذي يربط ميناء الفاو الكبير بالحدود التركية عبر شبكة من الطرق والسكك الحديدية، ضمن خطة تستهدف تحويل العراق إلى مركز عبور بين آسيا وأوروبا.
أمن الطاقة
ولا تنفصل مشاريع الممرات التجارية عن ملف أمن الطاقة، في ظل اعتماد العراق على مسارات محدودة لتصدير النفط، وما كشفته أزمة مضيق هرمز من مخاطر الاعتماد على منفذ واحد.
وتبحث الحكومة مشاريع خطوط أنابيب استراتيجية لتوفير بدائل لصادرات النفط، من بينها مسارات تمتد من جنوب العراق نحو المناطق الغربية، وصولاً إلى المنافذ السورية المحتملة.
ويبرز في هذا السياق مشروع خط البصرة ـ حديثة ـ بانياس، الذي يمثل، في حال تنفيذه، محاولة لتوفير منفذ إضافي على البحر المتوسط، وتقليل تأثر صادرات العراق بأي اضطرابات في الخليج أو مضيق هرمز.