أحمد كوكب/المدى
يدخل ملف استكمال الكابينة الوزارية مرحلةً حاسمةً مع اقتراب حلول شهر تموز، الذي سبق أن حددته الحكومة موعداً لإنهاء شغور الحقائب الوزارية. وبينما تؤكد الأوساط السياسية أن التوافقات بين القوى ما تزال تمثل العقبة الرئيسة أمام حسم الملف، تبرز تساؤلات بشأن تأثير حملة المداهمات والاعتقالات التي شهدتها بغداد فجر الأحد، وما أُثير حول شمولها شخصياتٍ سياسيةً ونواباً، في مسار المفاوضات وفرص استكمال التشكيلة الوزارية ضمن الإطار الزمني المعلن
وحول المستجدات الأمنية الأخيرة، قال المتخصص بالشأن السياسي، علي الحبيب، في حديث لـ(المدى)، إنه “لا يمكن التعامل معها بوصفها إجراءات اعتيادية، إذ تمثل رسالة قوية من السلطة التنفيذية وبداية تحرك فعلي تجاه ما كان يعد من المحرمات السياسية التي كرستها سنوات طويلة من الفساد داخل مؤسسات الدولة، وأن رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، يبدو مصمماً على استثمار صلاحياته بصفته القائد العام للقوات المسلحة لإعادة ترتيب المشهد السياسي قبل استكمال الكابينة الوزارية وزيارته المرتقبة إلى الولايات المتحدة”.
وأوضح الحبيب أن “تأثير هذه الإجراءات على ملف الوزارات سيعتمد على طبيعة ردود أفعال القوى السياسية، وأن تحولها إلى صراع مفتوح بين السلطات أو إلى حالة شلل داخل البرلمان سيعقد استكمال الحكومة أكثر، في حين أن نجاح الحكومة في تقديمها بوصفها معركة وطنية ضد الفساد، مدعومة بإسناد قضائي وشعبي، قد يحولها إلى نقطة تحول تسهم في تهدئة الخلافات المزمنة وتمهد لتشكيل كابينة وزارية أكثر انسجاماً واستقلالاً عن الضغوط السياسية”.
وأكد أن “المعطيات الحالية لا توحي بقرب إنهاء الأزمة، ولا سيما مع اقتراب العطلة التشريعية لمجلس النواب، لأن حسم الملف خلال تموز سيظل رهناً بتوصل القوى السياسية إلى تسوية شاملة تنهي نقاط الخلاف”.
وبين أن “أزمة استكمال الكابينة الوزارية ليست طارئة، بل أزمة بنيوية تعكس طبيعة النظام التوافقي القائم على المحاصصة، وأن استمرار شغور الوزارات السيادية والخدمية لأشهر طويلة يكشف حجم التعقيد في التفاهمات السياسية”.
وأضاف أن “القوى السياسية ما تزال تنظر إلى الوزارات باعتبارها مراكز نفوذ سياسي واقتصادي، وهو ما يجعل التنازل عنها بالغ الصعوبة؛ والتوافقات التي رافقت تشكيل الحكومة لم تستند إلى برنامج سياسي موحد بقدر ما كانت تسويات لتجاوز الفراغ الدستوري، الأمر الذي أعاد الخلافات إلى الواجهة مع بدء توزيع الحقائب”.
وأشار إلى أن “الأزمة لا ترتبط بالخلافات الداخلية فحسب، وإنما تتداخل معها توازنات إقليمية ودولية، لاسيما مع وجود تحفظات أميركية على إسناد بعض المناصب الأمنية لشخصيات ترتبط بفصائل مسلحة أو تدور في فلكها”.
ولفت إلى أن “زيارة المبعوث الأميركي توم باراك حملت، إلى جانب رسائلها الدبلوماسية المعلنة، إشارات سياسية تتعلق بضرورة إبعاد الفصائل عن المؤسسات الأمنية والخدمية الحساسة، بما ينسجم مع الرؤية الأميركية لإدارة الملف العراقي”.
ونوَّه إلى أن “تأخير استكمال الكابينة لا يرتبط فقط بالخلاف على أسماء المرشحين، وإنما يعكس أزمة ثقة بين الكتل السياسية، إذ تخشى كل جهة من فقدان نفوذها أو منح خصومها السيطرة على وزارات تمتلك موازنات كبيرة وتأثيراً سياسياً وإدارياً واسعاً”.
وتابع أن “تمسك القوى السياسية بما تعتبره استحقاقها التنفيذي يرتبط بالأوزان التي سبقت تشكيل الحكومة، الأمر الذي يجعل التنازل عن أي وزارة يُفسَّر داخل تلك القوى بوصفه خسارة سياسية وانتخابية، وهو ما يفسر استمرار التعثر رغم مرور أشهر على تشكيل الحكومة”.
وأضاف أن “استمرار إدارة وزارات حيوية، مثل الدفاع والداخلية والتخطيط والإعمار والتعليم، بالوكالة يحد من قدرة تلك المؤسسات على اتخاذ قرارات استراتيجية، كما يبقي الوزراء المكلفين تحت ضغوط التقييم السياسي المستمر، فضلاً عن تقليص مستوى المساءلة البرلمانية مقارنة بالوزير الأصيل”.
وختم بالقول إن “استمرار هذا الواقع ينعكس سلباً على صورة الحكومة أمام الرأي العام، ويضعف ثقة المواطنين بقدرتها على تنفيذ برنامجها، ولا سيما في الملفات الخدمية والإصلاحية، ما يجعل الأسابيع المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة على استثمار المتغيرات السياسية والأمنية لحسم الكابينة الوزارية قبل دخول شهر تموز”.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الساحة العراقية تصعيداً لافتاً في إجراءات ملاحقة المتهمين بقضايا الفساد، بعد أن أفادت مصادر خاصة لـ”العربية/الحدث”، فجر الأحد، بتنفيذ القوات الأمنية حملة مداهمات واعتقالات داخل المنطقة الخضراء في بغداد، استهدفت شخصيات سياسية ونيابية على خلفية تحقيقات مرتبطة بملفات فساد.
وبحسب المصادر، استندت الحملة إلى اعترافات أدلى بها وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي، وشملت رئيس أحد التحالفات السياسية وعدداً من أعضائه، فضلاً عن نواب حاليين وسابقين ورجال أعمال، بعد استكمال الإجراءات القانونية الخاصة برفع الحصانة عن بعضهم. وتزامنت العمليات مع إغلاق مداخل المنطقة الخضراء، فيما أشارت المصادر إلى استمرار الإجراءات بانتظار بيان رسمي من الجهات القضائية.
وجاءت هذه الحملة امتداداً للتحقيقات التي أعلنها مجلس القضاء الأعلى الأسبوع الماضي، والتي أسفرت عن ضبط أكثر من 98 مليار دينار و11 مليون دولار، إضافة إلى حجز عشرات العقارات والمركبات ومصوغات ذهبية، ضمن القضية المرتبطة بعدنان الجميلي، الذي أُلقي القبض عليه الشهر الماضي في محافظة صلاح الدين، في واحدة من أكبر قضايا الفساد التي أعلنتها السلطات العراقية خلال الفترة الأخيرة.