الكاتب والصحفي.هاشم ذياب الجنابي
لطالما وصف العراق بانه بلد عائم على بحيرة من النفط. الا ان المفارقة الصادمة في المشهد العراقي اليوم تتمثل في الحديث المتصاعد عن عجز مالي خانق وازمات سيولة قد تهدد القدرة على الوفاء بالالتزامات الاساسية.
ان الحديث عن افلاس الدول لا يعني زوالها من الخارطة. بل يعبر عن عجز الحكومة عن سداد ديونها.وتامين رواتب موظفيها. وتقديم الخدمات لمواطنيها. وفي بلد تتجاوز موازنته السنوية حاجز الـ 200 تريليون دينار عراقي. يبرز السؤال الاهم.. اين تذهب اموال الشعب؟.تكمن العلة الاساسية للاقتصاد العراقي في الريع النفطي.
حيث تعتمد الدولة بنسبة تتجاوز 95% على مبيعات النفط لتمويل موازنتها. مما جعل البلاد رهينة لتقلبات اسعار الطاقة العالمية. وفي ظل تراجع الاسعار او اضطراب خطوط الامداد تقع المالية العامة في مازق فوري. ولكن.
الازمة ليست مجرد نقص في الايرادات. بل هي ازمة ادارة للانفاق. حيث تحول الجهاز الاداري للدولة الى اداة للترضية السياسية والتوظيف العشوائي. مما ادى الى تضخم هائل في اعداد الموظفين والمتقاعدين. لتستهلك الرواتب والنفقات التشغيلية الحصة الاسد من الموازنة.
لاسيما مخصصات ونفقات الرئاسات الثلاث والدرجات الخاصة والمستشارين.والتي تلتهم تريليونات الدنانير سنويا دون مردود انتاجي يذكر.علاوة على ذلك، يضيع جزء كبير من اموال الشعب العراقي في قنوات تفتقر الى النزاهة والكفاءة. وابرزها المشاريع المتلكئة.
حيث ان هناك الاف المشاريع الخدمية والاستثمارية في قطاعات الصحة والتعليم والبنى التحتية قد اطلقت ورصدت لها ميزانيات ضخمة. لكنها بقيت حبرا على ورق او توقفت في نسب انجاز ضئيلة بسبب شبهات الفساد. يضاف الى ذلك غياب الحسابات الختامية وتدقيق النفقات الفعلية للدولة مما يجعل من الصعب تتبع مواضع الخلل ومحاسبة المقصرين. فضلا عن ضعف السيطرة على تحصيل الايرادات غير النفطية كالجمارك والضرائب في المنافذ الحدودية.
مما يفوت على خزينة الدولة مليارات الدولارات سنويا لصالح شبكات النفوذ والمصالح الضيقة. تؤكد التقارير الاقتصادية ان استمرار الانفاق بهذه الوتيرة قد يرفع عجز الموازنة الى ارقام قياسية.مما يضطر الدولة الى خيارات قاسية كالاقتراض الخارجي او التقشف الحاد الذي يدفع ثمنه المواطن البسيط.ان الخروج من هذه الحلقة المفرغة
لا يتطلب حلولا ترقيعية او الاعتماد على القروض المؤقتة.بل يجب تبني استراتيجية اصلاحية جذرية تقوم على ترشيد الأنفاق من خلال تقليص نفقات الرئاسات الثلاث والدرجات الخاصة. وايقاف الوظائف الوهمية ومزدوجي الرواتب لتوفير سيولة فورية لسد عجز الرواتب الاساسية. كما يتوجب تنويع مصادر الدخل بتفعيل قطاعات الزراعة.الصناعات التحويلية.
والسياحة. واتمتة الجمارك والضرائب لانهاء التبعية المطلقة للنفط. وينبغي التركيز حصرا على الاستثمار الذكي في المشاريع ذات نسب الانجاز المتقدمة والتي تمس حياة المواطن كالمستشفيات والمدارس. مع تفعيل دور الاجهزة الرقابية وفرض تقديم الحسابات الختامية لاسترداد الاموال المنهوبة وقطع دابر الهدر المالي.
ان اموال الشعب العراقي ليست ملكا لطبقة سياسية او لادارة حكومية عابرة. بل هي ثروة الاجيال وحق المواطن في العيش الكريم وتلقي خدمات تليق بتاريخ هذا البلد. ان تجنب سيناريو الافلاس الحقيقي يتطلب شجاعة سياسية لوقف نزيف الهدر. والتحول من عقلية الدولة الموزعة للريع الى عقلية الدولة المنتجة والمستثمرة قبل فوات الاوان.