أحمد كوكب/المدى
يتحرك العراق نحو هيكلة اقتصاده الوطني عبر مشروع استراتيجي لتوحيد الأنظمة الجمركية بين المركز والإقليم، مستهدفاً حماية أسواقه وتأمين السيادة المالية ضمن رؤية العراق 2050. غير أن هذا التوجه يواجه عقبات فنية وسياسية تتعلق بإدارة المنافذ وآليات توزيع الموارد، وسط تحذيرات متخصصين من استمرار ثغرات التهريب والإغراق السلعي.
وأكد المستشار المالي والاقتصادي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، في حديث لـ(المدى) أن “مشروع توحيد الأنظمة الجمركية بين المركز والإقليم يمثل أحد المسارات الرئيسة لتنويع مصادر الدخل الوطني وتحقيق استدامة مالية أكبر ضمن سياج جمركي موحد متناسق وعالي الكفاءة”.
وبين صالح أن “هذا التوجه ينسجم تماماً مع خطط السياسة المالية لـ(رؤية العراق 2050)، التي تستهدف رفع نسبة الإيرادات غير النفطية إلى ما لا يقل عن 45% من إجمالي إيرادات الموازنة العامة، من خلال توحيد آليات التحصيل والرقابة الجمركية، بما يدعم موارد الخزينة ويقلل الاعتماد شبه الكلي على العائدات النفطية”.
وأوضح أن “التكامل الجمركي سيسهم بشكل مباشر في الحد من التهرب الضريبي والتسرب المالي من خلال اعتماد قواعد بيانات مشتركة وإجراءات موحدة لتدقيق البضائع والرسوم المستحقة، وهو ما سيتيح إنشاء قاعدة بيانات موحدة للسلع الداخلة إلى العراق، وتقليل فرص التلاعب بالفواتير والقيم الجمركية، فضلاً عن منع انتقال السلع بين المنافذ للاستفادة من فروقات الرسوم”.
وأشار إلى أن “النهوض بهذا السياج يتطلب تفعيل منظومة الحوكمة الجمركية عبر ربط جميع المنافذ الحدودية بشبكة معلومات مركزية، وتطبيق نظام إلكتروني موحد لإدارة المخاطر والفحص الفوري، مع تعزيز التنسيق المؤسسي المستمر وتدريب الكوادر وتشكيل لجان مشتركة لمعالجة العقبات الميدانية فوراً”، مضيفاً أن “هذا المشروع سيعزز ثقة القطاع الخاص ويجذب الاستثمارات الأجنبية من خلال ضمان المنافسة العادلة وتكافؤ فرص العمل وحرية التجارة الداخلية بين المحافظات والإقليم”.
وفي السياق، كشف المتخصص في الشأن الاقتصادي، دريد العنزي، في حديثه لـ(المدى)، عن أمثلة تجسد عمق الأزمة في الأسواق المحلية، أن “إقليم كردستان بات يمارس عملية استيراد مفتوحة بالنيابة عن العراق كاملاً دون تنسيق، وهو ما يتضح جلياً في سوق السيارات، حيث باتت أغلب المركبات الحديثة في العاصمة بغداد وبقية المحافظات تحمل لوحات تسجيل إحدى محافظات الإقليم نتيجة التسهيلات الجمركية هناك، ما يتسبب بحالة إغراق حاد وتكدس للبضائع دون دراسة للحاجة الفعلية للسوق، الأمر الذي يلحق خسائر فادحة بالاقتصاد والتجار”.
وبين العنزي أن “قد تحولت منافذ الإقليم إلى ممر خلفي لتدفق الأدوية والمستلزمات الطبية المهربة وغير المفحوصة؛ إذ تتوفر في صيدليات الإقليم كميات هائلة من الأدوية والمواد الطبية غير الخاضعة لجهاز السيطرة النوعية والتقييس في بغداد، وتتسرب فجأة وبشكل غير قانوني لتغزو أسواق المحافظات الوسطى والجنوبية كاملة، مستغلة غياب الرقابة الموحدة وسياج الفحص المشترك في نقاط التبادل التجاري”.
وأكد أن “المنافذ الحدودية الرسمية وغير الرسمية الموجودة في إقليم كردستان تمثل نقطة الضعف الأساسية في السوق العراقية، وبسببها تعجز الحكومة المركزية عن تخطيط ومعرفة حجم الإنتاج المحلي واحتياجات السوق الحقيقية أو ضبط عمليات الاستيراد”.
وأضاف أن “أبرز التحديات التي تواجه مشروع التوحيد تتمثل في غياب الاتفاق السياسي والفني بين الطرفين على سقف موحد للرسوم الجمركية وآليات توزيع الحصص، إذ إن المركز لا يستفيد حالياً من أي رسم لكون الإقليم يعتمد نظام الرسوم المقطوعة الذي يحدد مبالغ ثابتة ومخفضة للسيارات والكونتينرات بنحو 700 دولار للحاوية، في حين يعتمد المركز نظام التعرفة المخصصة التفصيلية التي رفعت الأسعار بشكل حاد”.
وتابع أن “تدفق إيرادات منافذ الإقليم إلى خزينة بغداد حتى مع التوحيد أمر مستبعد، لأنها ستُحسب في النهاية كإيرادات داخلية لأربيل ما لم يتم الاتفاق على نسب متبادلة مشروطة بنقاط التبادل”.