متابعة/المدى
رغم تكرار طرحه داخل مجلس النواب على مدى سنوات، ما يزال قانون التجنيد الإلزامي في العراق يراوح مكانه بين التأييد والتأجيل، وسط تباين سياسي ومخاوف تتعلق بالكلفة المالية والمتطلبات التنظيمية اللازمة لتنفيذه.
ويرى مختصون أن مشروع القانون يجمع بين أبعاد أمنية واجتماعية واقتصادية، إذ يعتبره مؤيدوه أداة لتعزيز الانتماء الوطني واستثمار طاقات الشباب، في حين يشير معارضوه إلى أن تطبيقه يحتاج إلى موارد مالية كبيرة وبنية إدارية متكاملة لا تزال غير مكتملة حتى الآن.
وفي هذا السياق، أوضح الخبير في الشؤون الأمنية أحمد بريسم، السبت، أن قانون التجنيد الإلزامي عُرض للنقاش خلال أربع دورات برلمانية، بينها الدورة الخامسة التي شهدت مناقشة مواده قبل أن يتأجل بسبب خلافات سياسية حول عدد من بنوده، لافتاً إلى أن المشروع أُعيد طرحه خلال الدورة السادسة لكنه واجه المصير ذاته.
وأضاف بريسم خلال حديث تابعته(المدى) أن عدداً من الأطراف السياسية ترى أن المرحلة الحالية لا تسمح بالمضي في تنفيذ القانون بسبب التحديات المالية التي تواجه البلاد، موضحاً أن تطبيقه يتطلب تخصيصات مالية واضحة لتغطية تكاليف استقبال وتدريب المجندين الجدد.
وأشار إلى أن الخلافات بشأن شكل القانون ومضمونه لا تزال تمثل العقبة الرئيسية أمام إقراره، رغم وجود اتفاق على أهمية أهدافه المرتبطة بتعزيز الهوية الوطنية ومعالجة بعض المشكلات التي تواجه فئة الشباب، مبيناً أن بعض القوى السياسية تطالب بإجراء تعديلات جوهرية على مسودته الحالية.
وأكد أن إقرار القانون لا يقتصر على التصويت عليه داخل البرلمان، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل إنشاء معسكرات تدريب ومكاتب تجنيد في مختلف المحافظات، فضلاً عن توفير هيكل إداري قادر على إدارة الملف بكفاءة.
ولفت إلى وجود مقترحات تدعو إلى اعتماد نموذج مشابه لنظام العقود المعمول به في وزارة الداخلية، مرجحاً عدم تمرير القانون خلال عام 2026، على أن يُعاد طرحه في عام 2027 إذا ما توفرت التفاهمات السياسية والموارد المالية والمتطلبات التنظيمية اللازمة.
وكان العراق قد أوقف العمل بالخدمة العسكرية الإلزامية بعد عام 2003، مع اعتماد المؤسسات العسكرية والأمنية لاحقاً على التطوع والعقود لتلبية احتياجاتها البشرية.
وخلال السنوات الماضية عاد ملف التجنيد الإلزامي إلى واجهة النقاش أكثر من مرة، مدفوعاً بمطالبات سياسية وأمنية تعتبره وسيلة لتعزيز الانتماء الوطني واستثمار طاقات الشباب والحد من البطالة وبعض الظواهر الاجتماعية السلبية.
وفي 15 نيسان/أبريل 2026 أعلن رئيس مجلس النواب العراقي هيبت الحلبوسي تبنيه مقترح قانون التجنيد الإلزامي عقب سلسلة مباحثات أجراها مع قيادات عسكرية في وزارة الدفاع.
وذكر بيان صادر عن مكتبه أن الحلبوسي زار مقر وزارة الدفاع والتقى رئيس أركان الجيش الفريق أول قوات خاصة الركن عبد الأمير رشيد يار الله وعدداً من قادة الصنوف العسكرية، حيث اطلع على أبرز التحديات التي تواجه المؤسسة العسكرية واحتياجات تطويرها، ولا سيما ما يتعلق بأعمار المتطوعين ومتطلبات رفع كفاءتهم.
وأضاف البيان أن الزيارة تضمنت نقاشات موسعة مع كبار القادة العسكريين بشأن أهمية إعادة طرح التجنيد الإلزامي باعتباره خياراً استراتيجياً لدعم قدرات الجيش وتوسيع قاعدته البشرية.
وأكد الحلبوسي، بحسب البيان، أن تبنيه للمشروع جاء بعد مشاورات مع رؤساء الكتل النيابية وأعضاء مجلس النواب، معتبراً أن القانون يحمل أبعاداً أمنية واجتماعية تسهم في تعزيز قوة المؤسسة العسكرية، وتنمية قيم الانضباط والمسؤولية لدى الشباب، فضلاً عن دوره في الحد من البطالة والظواهر السلبية وتعزيز الاندماج المجتمعي والانتماء الوطني.
ورغم تعدد المحاولات لإعادة العمل بالخدمة الإلزامية منذ عام 2003، لم ينجح أي مشروع قانون في استكمال مساره التشريعي. فقد شهد عام 2016 محاولة بارزة لإقرار القانون لكنها لم تصل إلى التنفيذ، كما أعادت الحكومة في عام 2021 طرح مشروع “خدمة العلم” وإحالته إلى مجلس النواب، قبل أن يتعثر التصويت عليه ويؤجل في عام 2022.
ويرى مراقبون أن استمرار الخلافات السياسية، إلى جانب الهواجس الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بتطبيق القانون، ما زالت تمثل أبرز الأسباب التي تحول دون إقراره حتى الآن، رغم حضوره المتكرر على جدول النقاشات التشريعية.