متابعة/المدى
يرى مختصون بالشأن الاقتصادي أن إصلاح القطاع المصرفي العراقي وتسريع التحول نحو الدفع الإلكتروني يمثلان ركيزتين أساسيتين لمعالجة العديد من التحديات المالية والاقتصادية التي تواجه البلاد، بدءاً من أزمة القروض والسلف، وصولاً إلى تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد وتنشيط الاستثمار.
ويؤكد الباحث الاقتصادي أحمد التميمي أن نجاح أي عملية إصلاح مصرفي يتطلب برنامجاً شاملاً لا يقتصر على الإجراءات الإدارية التقليدية، بل يمتد إلى تحديث البنية التشريعية والرقابية والتكنولوجية للمصارف الحكومية والأهلية.
وأوضح التميمي أن أزمة السلف والقروض لا ترتبط فقط بحجم الأموال المتاحة للإقراض، وإنما بآليات منح التمويل ومتابعة المقترضين وتقييم الجدارة الائتمانية لهم.
وأشار إلى أن معالجة هذه الأزمة تستوجب إنشاء قواعد بيانات موحدة للمقترضين وتطوير نظام تصنيف ائتماني حديث يسهم في تقليل نسب التعثر وضمان وصول التمويل إلى المستحقين القادرين على السداد.
ضبط السيولة وتعزيز الشمول المالي
وأضاف أن تحقيق العدالة في منح القروض يتطلب اعتماد معايير واضحة وشفافة بعيداً عن التدخلات والوساطات، مع توسيع قاعدة الشمول المالي وزيادة الاعتماد على الأدوات المصرفية الرسمية بدلاً من التداول النقدي خارج النظام المصرفي.
وبيّن أن هذا التحول يسهم في تعزيز الاستقرار المالي وتحسين إدارة السيولة داخل القطاع المصرفي، فضلاً عن رفع كفاءة الأداء المالي للمؤسسات الاقتصادية.
كما أشار إلى أن ضعف الرقابة خلال السنوات الماضية ساهم في ارتفاع نسب التعثر في بعض القروض بسبب قصور إجراءات التدقيق والمتابعة وغياب أنظمة الإنذار المبكر للمخاطر الائتمانية.
وأكد أن تعزيز الحوكمة وتفعيل أدوات الرقابة والامتثال داخل المصارف يمثلان خطوة أساسية للحد من هذه المشكلات وتحسين جودة الخدمات المصرفية.
الدفع الإلكتروني ضرورة اقتصادية
من جهته، يرى الباحث الاقتصادي صادق الأزرقي أن التحول نحو الدفع الإلكتروني لم يعد مجرد خيار تقني أو وسيلة حديثة للدفع، بل أصبح ضرورة اقتصادية وإدارية تفرضها طبيعة الاقتصاد الحديث ومتطلبات الشفافية والاستقرار المالي.
وأوضح أن الاقتصاد العراقي ما يزال يعتمد بشكل كبير على السيولة النقدية المخزنة خارج النظام المصرفي، ما يحد من قدرة الدولة على مراقبة حركة الأموال وإدارة النشاط الاقتصادي بكفاءة.
وأضاف أن توسيع استخدام أدوات الدفع الإلكتروني من شأنه إدخال جزء كبير من الأموال المتداولة إلى الدورة الاقتصادية الرسمية، الأمر الذي يساعد على تنظيم النشاط المالي وتقليل مخاطر غسل الأموال والتهرب الضريبي.
وأشار إلى أن الأنظمة الإلكترونية تقلل كذلك من التكاليف المرتبطة بإدارة النقد، بما في ذلك عمليات النقل والحماية والجرد اليدوي ومخاطر التزوير، فضلاً عن تسهيل حصول المواطنين على خدمات مصرفية متنوعة مثل القروض والادخار والاستثمار.
تحديات التحول الرقمي
ورغم الفوائد الكبيرة المتوقعة، يؤكد الأزرقي أن التحول الرقمي ما يزال يواجه جملة من التحديات في العراق، أبرزها ضعف الثقة بالقطاع المصرفي نتيجة تراكم الأزمات والتجارب السابقة، إضافة إلى المشكلات المرتبطة باستقرار الكهرباء وخدمات الإنترنت.
كما أشار إلى وجود مخاوف لدى أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة من أن تتحول أدوات الدفع الإلكتروني إلى وسيلة لملاحقتهم ضريبياً أو فرض أعباء مالية إضافية عليهم.
وأضاف أن المجتمع العراقي ما يزال يميل إلى التعامل النقدي المباشر، وهو ما يشكل حاجزاً ثقافياً يحتاج إلى وقت وبرامج توعية واسعة لتجاوزه.
مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية
ويرى الأزرقي أن أحد أهم مكاسب التحول الرقمي يتمثل في الحد من الفساد المالي والإداري، لأن المعاملات الإلكترونية تترك أثراً رقمياً يمكن تتبعه ومراجعته، خلافاً للتعاملات النقدية التي يصعب مراقبتها.
وأوضح أن الاقتصاد الرقمي يوفر للدولة قاعدة بيانات ضخمة تساعدها على فهم أنماط الاستهلاك وإدارة الأسواق والتنبؤ بالأزمات التموينية ومراقبة الأسعار بصورة أكثر دقة.
وأضاف أن نجاح هذا التحول يتطلب إصلاحات إدارية وتشريعية متزامنة، فضلاً عن توفير حوافز تشجع المواطنين وأصحاب الأعمال على استخدام وسائل الدفع الإلكتروني.