متابعة/المدى
بعد مرور نحو شهر على نيل حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي ثقة مجلس النواب، لا يزال ملف استكمال الكابينة الوزارية يواجه تعقيدات سياسية متعددة، في ظل استمرار شغور تسع حقائب وزارية أساسية، وسط دعوات رسمية لتسريع حسمها، وتباين في تفسير أسباب التأخير بين الخلافات الداخلية والضغوط الخارجية وحسابات الاستحقاقات السياسية.
وشهدت الأيام الماضية تحركاً سياسياً لافتاً تمثل باجتماع الرئاسات الأربع الذي ضم رئيس الجمهورية نزار آميدي ورئيس الوزراء علي الزيدي ورئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان، حيث شدد المجتمعون على ضرورة الإسراع في استكمال تشكيل الحكومة بما يضمن تنفيذ البرنامج الحكومي بكامل صلاحياته.
خلافات على الاستحقاقات
ويرى الكاتب والمحلل السياسي محمد حسن الساعدي، في حديث تابعته (المدى)، أن تأخر استكمال التشكيلة الحكومية لا يعد أمراً استثنائياً في التجربة السياسية العراقية، بل يرتبط بطبيعة التوافقات القائمة بين القوى السياسية منذ عام 2005.
وأوضح أن جوهر الأزمة يتمثل في الخلافات داخل قوى الإطار التنسيقي بشأن توزيع الوزارات والاستحقاقات بين الكتل والتيارات المختلفة، إضافة إلى استمرار التفاوض مع القوى السنية والكردية حول بعض المواقع الوزارية.
في المقابل، يرى المحلل السياسي وائل الركابي أن المشكلة ذات طابع سياسي بالدرجة الأولى، مشيراً إلى أن الخلافات الحالية تعود إلى عدم حسم التفاهمات الخاصة بالاستحقاقات الانتخابية لبعض القوى المشاركة في العملية السياسية.
وأضاف أن بعض الكتل تشعر بأنها لم تحصل على حصتها السياسية التي تعكس حجم تمثيلها البرلماني، ما أدى إلى استمرار الخلافات بشأن تمرير بعض الوزراء.
الحقائب الأمنية وحصر السلاح
ويبرز ملف الوزارات الأمنية كأحد أكثر الملفات حساسية في المفاوضات الجارية، خصوصاً في ظل تزامنها مع مشروع حصر السلاح بيد الدولة الذي تتبناه الحكومة الحالية.
وقال الساعدي إن هناك توافقاً سياسياً ومؤسساتياً واسعاً على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، مشيراً إلى أن الحكومة طرحت آليات عملية لتسلم الأسلحة الثقيلة والصواريخ والطائرات المسيّرة وإيداعها في مواقع عسكرية رسمية.
وأضاف أن المبررات التي كانت تستخدم سابقاً للإبقاء على بعض التشكيلات المسلحة لم تعد قائمة بالشكل السابق، خصوصاً مع اقتراب استكمال انسحاب القوات الأمريكية وفق الجداول الزمنية المعلنة.
لكن الركابي يرى أن حسم وزارتي الدفاع والداخلية لا يرتبط مباشرة بملف السلاح، موضحاً أن الخلاف يدور أساساً حول الأسماء المرشحة والجهات السياسية التي تمتلك حق تقديمها.
ضغوط خارجية وتعقيدات داخلية
وتتباين الآراء أيضاً بشأن دور العوامل الخارجية في تأخير استكمال الحكومة.
فبينما يؤكد الركابي وجود ضغوط أمريكية واضحة تتعلق ببعض الأسماء المرشحة للمناصب الأمنية والسيادية، يرى الساعدي أن غالبية الأطراف الإقليمية تراقب المشهد العراقي من دون تدخل مباشر، بانتظار ملامح السياسة الخارجية التي ستعتمدها حكومة الزيدي.
وفي السياق ذاته، يرى المحلل السياسي أثير الشرع، في حديث تابعته (المدى)، أن الأزمة تتجاوز مجرد الخلافات على الأسماء، وتمتد إلى تعقيدات مرتبطة بتوزيع الاستحقاقات بين مختلف القوى السياسية.
وأوضح أن الوزارات الشاغرة تتوزع بين قوى شيعية وسنية وكردية، فضلاً عن قوى وفصائل أعلنت انتقالها إلى العمل السياسي بعد التخلي عن النشاط المسلح.
وأشار إلى أن بعض هذه القوى تعتبر حصولها على حقائب وزارية جزءاً من استحقاقها الانتخابي استناداً إلى عدد المقاعد التي حققتها في الانتخابات الأخيرة.
خلافات داخل المكونات
ويؤكد الشرع أن الخلافات لا تقتصر على العلاقات بين المكونات المختلفة، بل تمتد إلى داخل كل مكون سياسي على حدة.
وأضاف أن بعض الترشيحات ما تزال تواجه اعتراضات داخلية حتى داخل التحالفات نفسها، وهو ما انعكس على تأخر حسم وزارات مهمة، بينها الداخلية والتعليم العالي.
كما أشار إلى استمرار الجدل القانوني بشأن جلسة انتخاب الحكومة، على خلفية دعاوى تتحدث عن وجود خروقات دستورية رافقت عملية منح الثقة، وهي ملفات ما تزال مطروحة أمام القضاء العراقي.
القوى السنية وأزمة المشروع الموحد
وفي سياق متصل، أكد المحلل السياسي مؤيد العلي، في تصريح تابعته (المدى)، أن القوى السنية لم تتمكن حتى الآن من بلورة مشروع سياسي موحد يعالج القضايا المشتركة للمحافظات ذات الغالبية السنية.
وأوضح أن تعدد القيادات السياسية وغياب الرؤية الموحدة أسهما في استمرار حالة التشتت داخل البيت السني، الأمر الذي انعكس على مستوى التمثيل السياسي والمفاوضات الخاصة بالاستحقاقات الحكومية.
وأضاف أن المصالح الحزبية والشخصية ما تزال تتغلب على محاولات بناء مشروع سياسي جامع، ما أدى إلى تعدد مراكز القرار داخل المكون الواحد.
جلسة مرتقبة بعد العطلة التشريعية
من جانبه، أكد القيادي في ائتلاف النصر سلام الزبيدي، في تصريح تابعته (المدى)، أن القوى السياسية حسمت إلى حد كبير ملف الاستحقاقات الخاصة بالوزارات الشاغرة، وأن الخلاف الحالي يتركز في الاتفاق على الأسماء النهائية للمرشحين.
وأشار إلى وجود حراك سياسي لعقد جلسة استثنائية للتصويت على ما تبقى من الكابينة الوزارية فور انتهاء العطلة التشريعية لمجلس النواب.
وأوضح أن بعض الكتل ما تزال تناقش أكثر من اسم للوزارة الواحدة بهدف منح رئيس الوزراء مساحة أوسع للاختيار، في حين تستمر الخلافات بشأن بعض الترشيحات المقدمة من قوى سياسية مختلفة.