يوجد اشتراكيون في العراق لكن لا توجد اشتراكية ولم توجد. الاشتراكية في العراق كلمة، شعار، إشاعة سياسية قديمة، مثل الحرية، مثل الشفافية، مثل مكافحة الفساد، مثل العدالة الاجتماعية. إن ما هو غائب ومفقود في هذا البلد يصبح موجودا إذا ما أرادت السلطة ذلك.
أرى أن ذكر الاشتراكية كعقلية ومشكلة لا يمتلكان أي تبرير واقعي او فلسفي أو فكري، كما لا توجد مطالبات ذات طابع اشتركي. ليس سراً أن الاشتراكيين العراقيين أنفسهم لا يمتلكون برنامجاً اشتراكياً، فقد خفضوا سقوفهم في نظامنا الفوضوي الذي لا تعرف هويته بعد. لم تحدث تظاهرة رفعت شعارات اشتراكية أو طالبت بنظام اشتراكي بل خرجت تظاهرات ضد الفساد المستشري.. وبوجه خاص ضد الفساد الذي حوّل الدولة الى بقرة حلوب. هنا المشكلة الحقيقية التي تحتاج الى تأكيد، وإلى إرادة شجاعة لمواجهتها، وغير ذلك يُعد تهرباً من مشكلة حقيقية إلى مشكلة زائفة.
إذن ماذا حدث ليدعو السيد رئيس الوزراء العراقي إلى تجاوز “العقلية الاشتراكية” في إدارة الاقتصاد؟
هل توجد حقا عقلية اشتراكية تدير الاقتصاد؟ أرى أن العراق يفتقد أصلا إلى مجرد عقل رصين يدير الاقتصاد، فالإدارة السياسية منذ 2003 لم تعتمد على الخبرات المهنية المتوفرة والجاهزة للعمل. وطيلة كل هذه السنوات بات التنكر للكفاءة المهنية تقليداً، فالنظام السياسي لم يستثمر في الكفاءات بل في الجماعات السياسية المتحاصصة، وأغلبها بلا مواهب ومعنية بمصالحها الضيقة. والحال أن الاقتصاد الريعي السائد بات بعد 2003 عارياً نظراً لتوقف أي عمل إنتاجي تراكمي في الحقول الاقتصادية المتنوعة ما عدا النفط، لكن حتى الريع النفطي بدّده الفساد والمشاريع المرتجلة. لا يدار اقتصادنا من قبل خبراء بل من قبل سياسيين يفكرون بجيوبهم، تخدمهم مكاتب اقتصادية تجارية، وبنوك تدار من قبل تجار عملة، مع جماعة محاسبين لتوزيع الرواتب والمكافآت.
المثير أن البعض ممن اغتنى من الدولة الريعية التي تحكمت بالاقتصاد العراقي ماثل بين القطاع العام والاشتراكية. ومن هؤلاء من سعي إلى تجاوز الأطر القانونية لملكية الدولة والملكية العامة وتيسير الأمور للفاسدين وحديثي النعمة ممن اغتنوا من المقاولات والمشاريع الكاذبة والفاشلة ومن حلب الدولة دون رادع. أرى أن القصد من التوسع في هذا التماثل الذي يخلط العبارات ويسيسها هو تحطيم ما تبقى من القطاع العام وعرضه على مستثمرين متواطئين مع السياسيين. المقصود أن تنتصر فكرة السوق. لكن حتى السوق يحتاج الى عقل اقتصادي وأخلاقي يُراقب ويُحاسب ويُنظم، لا أن يبيح النهب والرشى والشهادات المزورة. وها نحن نصل مجددا الى العقدة الحقيقية : الفساد، وتقاليد الفساد، وانعدام الرقابة، والتواطؤ السياسي مع الفاسدين، وليس العقلية الاشتراكية!
لا أحد قبل السيد علي الزيدي في الرئاسات كلها من مرت على لسانه اسم الاشتركية، إذ لا معنى لها في عراق 2003 المحتل أميركيا، ليس فقط لأن الامريكان يعادون الاشتراكية، بل لأنهم، حطموا الدولة التي تراقب وتسجّل وتعاقب، وفتحوا أبواب العراق الذي لم يعد ينتج غير النفط، فبات كراجاً للسيارات والمطاعم والمولات وولائم السياسيين الذين تقاسموا جسد الدولة. الاقتصاد السائد في العراق هو اقتصاد الكراجات والمطاعم والعمارات والمولات والرواتب الخرافية ووسائل الترفيه واستيراد كل شيء حتى الكهرباء والغاز. فمن أين جاءت فكرة التخلي عن العقلية الاشتراكية في ظروف لا توجد فيها أي عقلية تتحكم في الحياة العراقية غير عقلية الفساد واستنزاف الدولة الريعية التي لم تعد تنتج غير النفط وتبيعه؟
إن أغلب أغنياء ما بعد 2003 حصلوا على غناهم وامتيازاتهم من الدولة الريعية، ومن أسلابها بعد الاحتلال الأميركي، والكثير منهم راحوا يطعنونها ويتحججون عليها بدلاً من صياغة برنامج يعيد بناءها على اسس ديمقراطية منتجة، وتنويع القطاعات الانتاجية في الصناعة والزراعة والسياحة، وتنظيم الرقابة والضرائب وتحسين الأحوال المعاشية للناس. والآن يجري التفطن بوجود عقلية اشتراكية، فماذا تفعل هذه العقلية؟ هل هي من تعيق الاستثمار أم أن الفساد هو من يبدد كل ثقة بالمستثمرين؟ هل توجد قوانين اشتراكية؟ لقد وصل الاستثمار الربحي الى التعليم والصحة ، فإذا بالتعليم العام والصحة العامة في الحضيض. إن أغلب ريع هذه الدولة البائسة ينهب من القوى التي تشكل النظام السياسي. وها نحن نعود الى نفس الجرح الذي يحتاج الى معالجة عاجلة بدلا من إبداء أفكار شبه ثقافية مغلوطة.
كان الاسلاميون قبل أن يصبحوا قوة سياسية، أصحاب تخريجات فكرية يواجهون فيها الاشتراكية باشتراكية اسلاموية، ويواجهون الرأسمالية بفكرة العدالة الاسلاموية التي تحترم الملكية الخاصة الا أنها ضد الربا. أيام الرئيس مرسي الاسلامي طلبت مصر قرضاً من المانيا، ونظرا لأن الاسلاميين كانوا جدداً على كار الدولة بما يستدعي المواءمة ما بين المبادئ والواقع، ما بين المال الحلال والمال الربوي، جرى التأكيد حد التخمة على أن الفائدة من هذا القرض قليلة لا تتجاوز الـ 3 او 4 بالمئة، فهو ربا معقول يقبله العقل والدين. والحال لقد مُرّر القرض على قاعدة فقهية إسلامية تُستعاد عند الأزمات : الضرورات تبيح المحظورات!
بعد أن قفزوا الى السلطة أرادوا السيطرة على الفضاء العام، وبالتعاون مع الجماعات السلفية راحوا يبحثون عن الشياطين في دور السينما والملاهي والشوارع وعند اصحاب صناعة العود والكمنجة وبين الآثار القديمة والفمانين وحياة المجتمع المدني. (لا أقول هذا للضحك فهو حقيقي وكان تمرينا لما يسمى بحملات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!)
ولسوف تتغير الشعارات والعبارات ، فلم يعودوا يتحدثون عن اشتراكية الإسلام، وإن واصلوا التقريب ما بين الديمقراطية ونظام الشورى وكأنهما متماثلين لإقناع الغرب. لقد تبين لهم أن اشتراكية جمال عبد الناصر القديمة جرى بيعها في عهد السادات، كما تبين لهم أن النظام المصري علماني!
كل اصطلاح اسلاموي يشق طريقه في الفضاء السياسي تقف خلفه مصلحة متخفية أو هو رد فعل على واقع مختلف يحاولون السيطرة عليه بالاحتيال. الإسلام السسياسي أكبر منتج للحذلقة الكلامية. وعلى الرغم من كل سيئات النظام الذي سمي زيفا بالاشتراكي لم يفقد الفقراء فيه أساسيات العيش الحلال الكريم الا بعد أن سيطرت القطط السمان على الاقتصاد في عهد الرئيس المؤمن.
ما المقصود بالعقلية الاشتراكية غير بقايا القطاع العام الذي جرى نهبه، والمطالبة بخصخصته بدلا من إصلاحه، بموازاة استبدال أفكار العدالة الاجتماعية بألفاظ السوق والاستثمار؟
هل هي حالة نفسية تظهر عند الموظفين البيروقراطيين الخائفين على مناصبهم فيمارسوا الصد والبطء والتسويف؟ لكن هذه حالة خاصة لا تحسب الا على البيروقراطية .. لكن ماذا عن موظفين يعيقون معاملات المواطنين لابتزازهم وأخذ الرشى منهم .. وهذا ما يسود حقا في دوائر الدولة!
في العراق حيث الفساد مبرمج ، ينقلب الفقه الإسلامي إلى ليبرالية تهكمية، فالمحظور مباح، وهو الشاهد الذي يقاس عليه الغائب!
ليس استطراد هذه السطور من دون معنى، فالعودة الى بؤرة (التخلي عن العقلية الاشتراكية) تمر بالضرورة عبر خنادق السياسة والإسلام السياسي وفشل الاقتصاد وانحطاط السلطة وفسادها. والحال إن تسمية دولتنا الريعية التي تعتمد على إنتاج النفط وبيعه بدولة اشتراكية هو خطأ بديهي، خطأ هو في الأصل أحد أوهام النظام السياسي السابق، وأوهام الدول التي سميت بالقومية كسوريا ومصر الناصرية وليبيا القذافية والجزائر، وهي أنظمة رفعت شعارات الاشتراكية، في حين أنها تمسكت بهيمنة الدولة على كل من الاقتصاد والسياسة والمجتمع، وبعضها حقق معدلات تنموية جيدة لم تستمر بسبب النزعة الاستبدادية للنظام السياسي . إن مشكلة هذه الانظمة تتجاوز هيمنة الدولة على الاقتصاد إلى الهيمنة البوليسية، والاستبداد السياسي, وههنا موقع الخلل الخطر، فالأمر يتجاوز هذا المفهوم الفكري او ذاك، وخطة التنمية هذه أو تلك، الى علاقة الدولة بالشعب. يتعطل العقد الاجتماعي بين الدولة والشعب ويُختزل بسلطة غاشمة تفرض شروطها – سلطة وليس دولة، لأن الدولة كانت قد ألحقت بالنظام السياسي.
لنفكر بهذ الإلحاق جيداً. إن المطالب الديمقراطية الملحة في العراق تلخصت بالآتي: إعادة بناء الدولة، وتخليصها من براثن الفساد وسيطرة القوى السياسية عليها. هذه المطالب أفشلت من قبل النظام السياسي القائم، ومن قبل القوى التي تقود السلطة على وجه التحديد. لقد بدّد النظام التحاصصي التراكم الرأسمالي للدولة الريعية، وزاد من مديونيتها، وأفقد مصداقية قادتها وأثار الشكوك بكفاءتهم في إدارة الاقتصاد والسياسة وشؤون الحياة الاجتماعية.
المشكلة هنا. الملعب الواقعي هنا، وليس في أي نموذج فكري أو عقلي!