متابعة / المدى
تبدو المنطقة، بعد أكثر من ثلاثة أشهر من التصعيد العسكري المتبادل بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، أمام مشهد سياسي معقد تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مسارات التفاوض، فيما تختلف تعريفات الأطراف الثلاثة لما يمكن أن يُسمّى “وقفاً للحرب”.
وبحسب قراءات لصحف بريطانية بينها تلغراف وغارديان وآي بيبر، فإن الولايات المتحدة تتجه نحو تثبيت وقف إطلاق نار يهدف إلى إعادة الاستقرار إلى أسواق الطاقة وفتح نافذة تفاوضية مع طهران، في حين تتمسك إيران بمطالب سياسية وأمنية تتعلق بلبنان ورفع العقوبات، بينما تواصل إسرائيل تبنّي مقاربة ميدانية تقوم على توسيع العمليات العسكرية وتقويض نفوذ خصومها الإقليميين.
وتأتي هذه التطورات في أعقاب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل إلى اتفاق لوقف جزئي لإطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، وهو اتفاق ما يزال، وفق التقديرات، هشّاً وقابلاً للاهتزاز بفعل التباينات الميدانية والسياسية.
ترمب.. استعجال إنهاء الحرب وفتح مسار تفاوضي مع طهران
تُظهر القراءات الغربية أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتجه بشكل متسارع نحو إغلاق ملف الحرب، عبر تثبيت وقف إطلاق النار والانتقال إلى مسار تفاوضي مع إيران، بعد أشهر من الضربات والعقوبات.
وبحسب ما نقله كاتبي تلغراف أختر ماكويي وبول نوكي، فإن العلاقة بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دخلت مرحلة توتر متصاعد، على خلفية اختلاف الرؤى بشأن إنهاء الحرب مع إيران.
ويرى الكاتبان أن نتنياهو، الذي كان من أبرز الداعمين للمواجهة العسكرية مع طهران، بات اليوم أحد العوائق أمام الجهود الأميركية الهادفة إلى تسوية سياسية، خصوصاً بعد أن دفعت التطورات الأخيرة إيران إلى تعليق جزء من مسار المفاوضات عقب الغارات الإسرائيلية على لبنان.
وفي المقابل، تشير التحليلات إلى أن تدخل ترمب المباشر عبر اتصالات سياسية مع القيادة الإسرائيلية ساهم في كبح بعض التصعيد، ما يعكس حدود قدرة تل أبيب على فرض أجندتها على واشنطن.
اتفاق حزب الله.. اختبار الالتزام الميداني
وبحسب ما نقلته آي بيبر، فإن الاتفاق غير المعلن بشكل نهائي يتضمن امتناع إسرائيل عن استهداف بيروت وضاحيتها الجنوبية، مقابل وقف هجمات حزب الله على الداخل الإسرائيلي.
لكن هذا التفاهم، وفق الصحيفة، لا يزال يواجه اختباراً عملياً، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، وتقدم القوات باتجاه مناطق جديدة، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى التزام الأطراف ببنود التهدئة.
“غارديان”: ترمب دخل الحرب بلا خطة واضحة
وفي سياق التقييم السياسي، قال كاتب العمود في غارديان كينيث روث، في حديث تابعته (المدى)، إن إدارة ترمب أظهرت “فشلاً في التخطيط والتفاوض”، مشيراً إلى أن القرارات الأميركية ساهمت في تعزيز موقف المتشددين داخل إيران، ومنحت طهران أدوات ضغط إضافية أبرزها مضيق هرمز.
وأضاف روث أن الإدارة الأميركية عادت في نهاية المطاف إلى طاولة التفاوض بشروط مشابهة لتلك التي كانت مطروحة قبل اندلاع الحرب، ما يعكس، بحسب رأيه، ارتباكاً في إدارة الملف.
نتنياهو.. رؤية تقوم على التصعيد
وتشير التحليلات ذاتها إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ينظر إلى المواجهة مع إيران من زاوية أمنية واستراتيجية طويلة الأمد، تقوم على تقويض النفوذ الإيراني في الإقليم.
وبحسب تلغراف، فإن نتنياهو حاول الدفع باتجاه إفشال المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران، مستفيداً من التصعيد في لبنان كوسيلة ضغط، إلا أن النتائج لم تفضِ إلى تغيير جذري في المشهد الإيراني، حيث بقي النظام مستقراً واستمرت المفاوضات بشكل غير مباشر.
إيران.. شروط سياسية وأمنية قبل أي تسوية
أما إيران، فتسعى وفق القراءات الغربية إلى تثبيت أي اتفاق محتمل بضمانات سياسية واقتصادية واضحة، تشمل رفع العقوبات والإفراج عن أصول مالية مجمدة، إلى جانب إدخال ملف لبنان ضمن أي تسوية شاملة.
وتشير التحليلات إلى أن طهران تعتبر وقف العمليات الإسرائيلية في لبنان جزءاً أساسياً من أي اتفاق مستقبلي، في ظل ما خلفته الحرب من خسائر بشرية ونزوح واسع في الجنوب اللبناني.
لبنان.. ساحة اختبار لاتفاق هش
وبين التصعيد الميداني والمفاوضات السياسية، يبقى لبنان، وفق توصيف المراقبين، ساحة اختبار حقيقية لمدى صمود أي اتفاق وقف إطلاق نار، خصوصاً مع استمرار التحركات العسكرية الإسرائيلية جنوب البلاد، ما يجعل المسار التفاوضي عرضة للاهتزاز في أي لحظة.