متابعة/ المدى
كشف تقرير بحثي نشره معهد تشاتام هاوس، في 20 أيار 2026، أن الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران أظهرت هشاشة الحيز المدني في العراق، بعدما فاقمت بيئة قائمة أصلًا على التهديدات الأمنية ضد منظمات المجتمع المدني، والقيود المفروضة على حرية التعبير والتجمع، وضعف آليات المساءلة.
وبحسب التقرير، الذي كتبته الباحثة ليلى عامر، فإن النزاع وسّع نفوذ الجهات المسلحة، وزاد من ضعف مؤسسات الدولة، ودفع الخطاب العام نحو مزيد من الاستقطاب. وفي هذا السياق، أصبح الفاعلون المدنيون، ولا سيما المنخرطون في أعمال المساءلة، أو الذين يُنظر إليهم بوصفهم محايدين خلال النزاع، أكثر عرضة للاستهداف، مع تزايد التعامل مع مساءلة الجهات السياسية والأمنية باعتبارها شكلًا من عدم الولاء أو اصطفافًا مع أطراف خارجية، خصوصًا الولايات المتحدة.
وأشار التقرير إلى حوادث أخيرة استهدفت صحافيين خلال تغطية أخبار الحرب. ففي نيسان 2026، تعرض الصحافي العراقي مصطفى الشمري لاعتداء بالضرب المبرح على يد مجموعة من المحتجين أثناء تغطيته تظاهرات أمام القنصلية الكويتية في البصرة، بعد اتهامه بالانحياز السياسي. وفي حادثة منفصلة بالمدينة نفسها، تعرضت الصحافية نور التميمي لاعتداء جسدي، وصودر هاتفها أثناء تغطيتها تداعيات ضربة استهدفت جماعة مسلحة موالية لإيران.
ويرى التقرير أن هذه الحوادث تكشف كيف بات التدقيق الصحافي والتغطية الإعلامية خلال فترات التوتر يُنظر إليهما بصورة متزايدة على أنهما تموضع سياسي، بما يعرّض الفاعلين المدنيين للترهيب والعنف. ومع تصاعد التوتر الإقليمي، يشدد التقرير على الحاجة إلى إصلاح المؤسسات الناظمة لعمل المجتمع المدني، وتعزيز دعم الجهات المدنية، بما يسمح باستعادة قدر فعلي من المساءلة في العراق.
قبل اندلاع الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، كان الحيز المدني في العراق يواجه قيودًا شديدة. ووفقًا للتقرير، أسهمت جهات رسمية وغير رسمية في ترسيخ هذا المناخ، لكن الجماعات المسلحة شكّلت تهديدًا مستمرًا بصورة خاصة. وخلال احتجاجات تشرين 2019 وما بعدها، حين خرج العراقيون احتجاجًا على الفساد وسوء الإدارة، أدت التهديدات التي استهدفت الناشطين، وعمليات القتل والخطف التي بقيت من دون محاسبة، إلى خلق مناخ خوف قلّص مساحة العمل المدني، وأضعف جهود المساءلة.
وتفاقمت الضغوط عام 2020 بعد مقتل قاسم سليماني بضربة أميركية في بغداد، إذ أدى ذلك إلى تصاعد التوتر بين الفصائل المسلحة الموالية لإيران والجهات المنخرطة في أعمال المساءلة، التي أصبحت تلك الجماعات تنظر إليها بصورة متزايدة بوصفها مرتبطة بالولايات المتحدة أو متحالفة معها.
ويورد التقرير أن اغتيال هشام الهاشمي في بغداد عام 2020، وهو مستشار لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي ومحلل بارز في شؤون الأمن والجماعات المسلحة، واغتيال الناشطة رهام يعقوب في البصرة في العام نفسه، يجسدان هذا النمط بوضوح، إذ استُهدف كلاهما جزئيًا بسبب انتقاداتهما المستمرة لنفوذ الجماعات المسلحة.
كما عزز قرار محكمة جنايات بغداد في عام 2024 الإفراج عن المدان بقتل الهاشمي، رغم اعترافه بالجريمة، المخاوف بشأن الإفلات من العقاب، وسلط الضوء على ضعف منظومة العدالة في مواجهة الجماعات المسلحة.
وخلال السنوات اللاحقة، عملت الجهات المعنية بجهود المساءلة ضمن بيئة أكثر تسييسًا، إذ دأبت الجماعات المسلحة على تصوير الانخراط مع الجهات الدولية باعتباره دليلًا على الاصطفاف مع قوى خارجية. وأسهمت هذه الدينامية في تضييق مساحة العمل المرتبط بالمساءلة حتى قبل اندلاع النزاع الأخير.
وبحسب التقرير، كان للدولة أيضًا دور مباشر في تقييد الحيز المدني، عبر استخدام نصوص قانونية، من بينها المواد 433 و215 و220 من قانون العقوبات العراقي، لاستهداف ناشطين وصحافيين ومنتقدين عبر الإنترنت، بذريعة “الإخلال بالآداب العامة” و”المحتوى غير اللائق”.
ويشير التقرير إلى أن اعتقال علي العبادي عام 2025، مدير المركز العراقي لحقوق الإنسان، الذي قيل إنه جاء على خلفية تقاريره بشأن المساءلة وجرت ملاحقته بموجب المادة 433، يوضح كيف تحول العمل الحقوقي نفسه إلى سبب للانتقام. ولم تسلم الأنشطة الثقافية والمدنية من هذه القيود، إذ حُظر مهرجان “الناصرية تقرأ”، وهو فعالية أدبية سنوية في جنوب العراق، لأسباب أمنية، واعتُقل منظمه في شباط 2026، في خطوة تعكس اتساع القيود المفروضة على الحيز العام وحرية التعبير.
وواجهت المنظمات غير الحكومية ضغوطًا مماثلة، شملت تشديد الرقابة على مصادر التمويل، ولا سيما التمويل الأجنبي، والتدخل في عملها عبر دائرة المنظمات غير الحكومية. وقد دفعت هذه القيود العديد من المنظمات إلى ممارسة رقابة ذاتية وتقليص حضورها العلني، ما أضعف قدرتها على تعزيز المساءلة.
ويرى التقرير أن القوى الدافعة باتجاه تضييق الحيز المدني تستند إلى منطق مشترك، يتمثل في سعي الجهات النافذة إلى تجنب التدقيق والمساءلة، والحفاظ على عناصر من النظام السياسي الذي تشكل بعد عام 2003، حيث غالبًا ما تُصوَّر مطالب الإصلاح باعتبارها تهديدًا للاستقرار. وقد عززت احتجاجات تشرين هذا النهج الدفاعي، وجعلت السلطات أكثر حرصًا على منع تكرار حشد مماثل في المستقبل.
وفي أجواء الحرب، أصبحت البيئة المدنية المقيّدة أصلًا أكثر خطورة. فقد جرت المواجهة بين الولايات المتحدة والجماعات المسلحة المدعومة من إيران، جزئيًا، على الأراضي العراقية، ما جعل العمل المرتبط بالمساءلة أكثر حساسية سياسيًا. وبات انتقاد نفوذ الفصائل المسلحة، أو معارضة ربط العراق بالمحور الإيراني، أو مساءلة السلاح الخارج عن سيطرة الدولة، أمورًا قد تعرض الناشطين لمخاطر متزايدة.
ويذكر التقرير أن اغتيال الناشطة في مجال حقوق المرأة ينار محمد في 2 آذار 2026 كشف جسامة المخاطر في هذا المناخ. ووصفت منظمات حقوقية دولية اغتيالها بأنه جزء من نمط أوسع من الهجمات على المدافعين عن حقوق الإنسان، محذرة من أن استمرار الإفلات من العقاب يشجع الجناة. كما عكس اعتقال الناشط البيئي مرتضى الجنوبي في 4 آذار، عقب احتجاجات سلمية بشأن حقوق المياه والبيئة، اتجاهًا موازيًا، يتمثل في استغلال الدولة لظروف الحرب لتبرير فرض مزيد من القيود على العمل المدني.
ويعد غياب المساءلة عن هذه الأفعال، وفقًا للتقرير، شكلًا من أشكال الضرر بحد ذاته. فعدم محاسبة أي شخص على مقتل ينار محمد، حتى بعد وقف إطلاق النار، يعزز الحجة القائلة إن الصراع لم يولّد مخاطر مؤقتة فحسب، بل رسّخ حالة الإفلات من العقاب البنيوية التي يواجهها المجتمع المدني العراقي.
وامتدت القيود إلى عمل المنظمات غير الحكومية أيضًا. ففي رسالة مؤرخة في 3 آذار 2026، قيل إنها صادرة عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي، جرى توجيه وزارة المالية لإجراء تدقيق ضريبي على المنظمات غير الحكومية. وربطت منظمات المجتمع المدني هذه الإجراءات بحالة التصعيد الإقليمي، معتبرة أنها تندرج ضمن نمط أوسع من الضغوط المتزايدة على الجهات المنخرطة في أعمال المساءلة.
وبعد وقف إطلاق النار، لم يستعد الحيز المدني عافيته. فعلى الرغم من تراجع الأعمال القتالية واسعة النطاق، لا تزال الشروط البنيوية التي تقيد عمل المجتمع المدني قائمة بقوة، بما في ذلك استمرار نفوذ الجهات المسلحة، وضعف آليات المساءلة، ومحدودية الحماية المتاحة للناشطين.
وبدلًا من أن تفضي مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار إلى انفتاح فعلي في الحيز المدني، شهدت في معظمها انتقالًا من العنف المرتبط مباشرة بالنزاع إلى أشكال أكثر استدامة وأقل ظهورًا من الترهيب والإكراه. كما باتت منظمات مدنية كثيرة تعمل بحذر أكبر وبحضور علني أقل، نتيجة الضغوط الأمنية والسياسية، وهو ما أضعف قدرة القطاع على أداء دور موازن للسلطة في المجال العام.
ولا تزال الجماعات المسلحة، بحسب التقرير، تمارس نفوذها عبر التهديدات والهجمات الموجهة. ففي 21 نيسان، نجا الناشط ضرغام ماجد من محاولة اغتيال ثانية في بابل خلال أقل من عامين، نُفذت، بحسب ما أفيد، على يد مسلحين يستقلون دراجات نارية، في نمط متكرر للهجمات التي تستهدف الناشطين في العراق.
وتزيد حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي الأوسع من حدة هذه الضغوط. فقد أدت أزمة تشكيل الحكومة الممتدة، إلى جانب تدهور الأوضاع الاقتصادية الناتج عن العقبات التي تواجه صادرات النفط، إلى تقليص التمويل المتاح للمبادرات المدنية. وأسهم ذلك في زيادة اعتماد منظمات المجتمع المدني على الجهات المانحة الخارجية، مع تعريضها في الوقت نفسه لمزيد من الرقابة والقيود التشغيلية.
ويخلص تقرير تشاتام هاوس إلى أن الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران عمّقت أزمة الحيز المدني في العراق. ورغم أن العديد من الفاعلين السياسيين لديهم حافز للإبقاء على ضعف مؤسسات الدولة، فإن على صانعي السياسات ذوي التوجه الإصلاحي، والهيئات الرقابية، العمل على تعزيز المؤسسات وآليات المساءلة.
ويعني ذلك، وفق التقرير، ضمان تمتع المفوضية العليا المستقلة لحقوق الإنسان بقدرة فعلية على التحري، وباستقلالية سياسية، وبإمكان متابعة الانتهاكات من دون تدخل. كما يدعو إلى تشجيع دائرة المنظمات غير الحكومية على الابتعاد عن الممارسات التقييدية، والتوجه نحو تمكين عمليات المجتمع المدني.
كما يمكن للشركاء الدوليين مواكبة هذه الجهود عبر تقديم دعم مرن ومنخفض المخاطر، يشمل تدابير الحماية، والأمن الرقمي، والمساعدة القانونية، بما يحد من تعرض المنظمات العاملة في ظروف صعبة للخطر. وسيتعين على الجهات المدنية نفسها التكيف عبر بناء التحالفات، واعتماد استراتيجيات توثيق أقل ظهورًا، واتباع أساليب مناصرة جماعية تتيح استمرار أعمال المساءلة في بيئة تزداد تقييدًا.
وفي خاتمته، يؤكد التقرير أن الحفاظ على الحيز المدني يبقى ضرورة أساسية، ليس فقط لجهود المساءلة، بل أيضًا لتعزيز منعة النظام السياسي العراقي وترسيخ شرعيته على المدى الطويل.
عن معهد تشاتام هاوس