متابعة/ المدى
وسط أخطر اضطراب يشهده سوق النفط العالمي منذ عقود، كشفت وكالة “بلومبرغ” عن الدور الذي لعبته شركة تداول سويسرية ناشئة في تمرير شحنة نفط عراقية عملاقة عبر مضيق هرمز، في عملية معقدة تداخلت فيها الحسابات التجارية بالمخاطر الأمنية والضغوط الدبلوماسية، فيما فتحت الأزمة الباب أمام أرباح استثنائية لشركات النفط والشحن المستعدة للمغامرة في منطقة ملتهبة.
وبحسب تقرير تابعته (المدى)، فإن شركة “ليتون” السويسرية، التي تتخذ من جنيف مقراً لها وترتبط بعلاقات تجارية مع العراق، تولّت مهمة تأمين عبور ناقلة النفط العملاقة “أغيوس فانوريوس 1″، المحملة بنحو مليوني برميل من النفط العراقي والمتجهة إلى فيتنام، عبر مضيق هرمز الذي يشهد قيوداً مشددة واضطرابات متواصلة منذ اندلاع الحرب الأخيرة في المنطقة.
وأصبحت رحلة الناقلة حديث الأوساط النفطية العالمية خلال الأسابيع الماضية، بعدما أوقفتها السلطات الإيرانية ثم القوات الأميركية خلال محاولاتها المتكررة لعبور المضيق، في وقت كانت فيه الأسواق تراقب أي إشارة على عودة الملاحة النفطية عبر هرمز، الذي يمثل الشريان الأهم لصادرات الطاقة في الخليج.
ووفقاً للتقرير، فإن الناقلة لم تتمكن من تجاوز الحصار البحري الأميركي إلا بعد تدخل من شركة النفط الحكومية الفيتنامية، وبعد ضغوط وتحركات دبلوماسية مكثفة شاركت فيها الحكومة العراقية، بينما أشارت مصادر مطلعة إلى أن شركة “ليتون” كانت تدير العملية التجارية وتتابع مسار الشحنة حتى وصولها إلى وجهتها النهائية.
ورغم أن الشحنة كانت مخصصة لشركة “بتروفيتنام أويل”، فإن “بلومبرغ” نقلت عن مصادرها أن الشركة السويسرية لعبت الدور المحوري في التفاوض وتأمين المرور البحري، مستفيدة من خصومات ضخمة قدمها العراق للمشترين المستعدين لتحمل مخاطر النقل عبر الخليج.
وأضاف التقرير أن “ليتون” اشترت النفط العراقي من ميناء البصرة بخصم بلغ نحو 18 دولاراً للبرميل مقارنة بالأسعار المرجعية، فيما قُدّرت الأرباح الإجمالية للصفقة بنحو 60 مليون دولار، نتيجة ارتفاع أسعار النفط خارج الخليج وندرة الشحنات القادرة على مغادرة المنطقة.
وأشار التقرير إلى أن شركة النفط العراقية الحكومية عرضت خلال الأسابيع الماضية شحنات بأسعار منخفضة وخصومات وصلت إلى أكثر من 33 دولاراً للبرميل، بهدف تشجيع الشركات على شراء الخام وتحمل مخاطر إخراجه من الخليج، في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز جزئياً وتراجع حركة الملاحة.
وفي هذا السياق، أوضحت “بلومبرغ” أن الأزمة الحالية خلقت فرصاً مالية هائلة لشركات التداول الدولية، إذ باتت بعض الصفقات تحقق أرباحاً تتراوح بين 40 و60 مليون دولار لناقلة واحدة، مقارنة بهوامش أرباح اعتيادية كانت لا تتجاوز بضعة سنتات للبرميل في الظروف الطبيعية.
لكن التقرير لفت أيضاً إلى أن الأرباح الكبيرة ترافقها مخاطر استثنائية، خصوصاً بالنسبة للشركات الصغيرة نسبياً مثل “ليتون”، التي تأسست عام 2024 على يد المتداول السابق في مجموعة “ترافيغورا” حكيم دربوش، بالشراكة مع مسؤول سابق في شركة “أونيكس DMCC”.
وبحسب التقرير، تنشط “ليتون” في تجارة النفط الخام والمنتجات النفطية بين العراق وشرق آسيا والبحر المتوسط، كما برز اسمها سابقاً عبر اتفاقات لتسويق منتجات مصفاة “توروس” في إقليم كردستان.
وفي المقابل، كشف التقرير أن تكاليف الشحن والتأخير التهمت جزءاً كبيراً من الأرباح المتوقعة، إذ ارتفعت كلفة نقل الشحنة الواحدة عبر الخليج إلى ما بين 35 و40 مليون دولار، بسبب المخاطر الأمنية وارتفاع رسوم التأمين والنقل، فضلاً عن رسوم التأخير اليومية التي تفرضها شركات الشحن عند تعطيل السفن أو احتجازها.
كما أشار التقرير إلى أن الناقلة تلقت أكثر من أمر بالعودة أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز، قبل أن تحصل في نهاية المطاف على موافقة بالمرور بعد اتصالات مباشرة وضغوط سياسية قادتها بغداد مع الجانب الإيراني، بحسب ما نقلته مصادر مطلعة.
وفي تطور آخر، ذكرت “بلومبرغ” أن القوات الأميركية أوقفت الناقلة لاحقاً للاشتباه في حملها نفطاً إيرانياً، قبل أن تسمح لها بالمغادرة بعد خمسة أيام من التفتيش، إثر رسالة رسمية بعثتها شركة “بتروفيتنام أويل” إلى القيادة المركزية الأميركية، أكدت فيها أهمية الشحنة بالنسبة لفيتنام.
ويعكس هذا المشهد، بحسب مراقبين، حجم التحولات التي يشهدها سوق الطاقة العالمي بعد الحرب، حيث تحولت عمليات نقل النفط إلى ملفات أمنية وسياسية معقدة، تتداخل فيها حسابات العقوبات الدولية مع الضغوط العسكرية والمصالح الاقتصادية للدول والشركات الكبرى.
كما يسلط التقرير الضوء على حجم التحديات التي تواجه العراق، الذي اضطر إلى تقديم خصومات غير مسبوقة لتسويق نفطه والحفاظ على جزء من صادراته، في وقت ما تزال فيه البلاد تعتمد بشكل شبه كامل على منافذ التصدير عبر الخليج ومضيق هرمز، وسط دعوات متزايدة لتسريع مشاريع التنويع وإنشاء طرق بديلة للتصدير بعيداً عن مناطق التوتر.