متابعة/المدى
حرص قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة، الفريق عبد الفتاح البرهان، على استقبال القائد المنشق عن قوات الدعم السريع، اللواء النور القِبّة، بشكل شخصي، عقب إعلان انضمامه إلى صفوف الجيش.
وتوجّه البرهان إلى مدينة دنقلا في أقصى شمال البلاد، حيث التقى القِبّة وصافحه، في مشهد وثقته الصور التي نشرها الإعلام الرسمي لمجلس السيادة، وذلك بعد يوم واحد من وصوله من مناطق صحراوية في شمال دارفور.
ويأتي هذا الاستقبال، بحسب مراقبين، ليعكس أهمية الخطوة ومكانة القائد المنشق لدى المؤسسة العسكرية، في ظل الحرب المستمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أكثر من ثلاث سنوات.
الصحافي السوداني المختص بالشؤون العسكرية ناصف صلاح الدين رأى أن هذا الاهتمام يعود إلى تواصل سابق بين البرهان والقِبّة منذ بداية الحرب، بهدف تحييده، مشيراً إلى أن هذا المسار أثمر في النهاية عن انشقاقه وانضمامه للجيش.
قبل اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، كان القِبّة شخصية مؤثرة في التوازنات القبلية والعسكرية في إقليم دارفور، وشغل مواقع قيادية في قوات حرس الحدود خلال عهد الرئيس السابق عمر البشير، قبل دمج تلك القوات لاحقاً ضمن هيكل الدعم السريع، حيث يُعد من أبرز المؤسسين الميدانيين لها.
وخلال الحرب، برز دوره في عمليات عسكرية حساسة في إقليم دارفور، بينها حصار مدينة الفاشر، التي شهدت لاحقاً تطورات ميدانية معقدة وانتهاكات وثقتها جهات حقوقية، وفق ما أورده التقرير.
وتشير معلومات ميدانية إلى أنه تولى لاحقاً قيادة قوات شاركت في معارك الفاشر بعد مقتل قائد ميداني بارز في يونيو/حزيران 2024، مستفيداً من معرفته الجغرافية بالمنطقة وعلاقاته داخل التشكيلات العسكرية هناك.
وفي وقت سابق، كان يقود قوة مشتركة من الدعم السريع وفصائل محلية أُنشئت عقب انسحاب بعثة أممية من الإقليم عام 2021، وقد أعلنت حينها أن مهمتها حماية المدنيين وتأمين المساعدات الإنسانية، لكنها وُجهت لاحقاً باتهامات تتعلق بانتهاكات وعمليات نهب.
ووصل القِبّة إلى شمال السودان يوم 18 أبريل/نيسان بعد رحلة وُصفت بالشاقة من شمال دارفور، امتدت لنحو 800 كيلومتر عبر مناطق صحراوية، حيث أفادت مصادر عسكرية أن تحركه تم ضمن قوة تضم عشرات العربات المقاتلة، وبإشراف ترتيبات أمنية معقدة.
كما تحدثت المصادر عن أن العملية نُفذت بسرية عالية لتفادي استهدافه من قوات الدعم السريع، مع استخدام مسارات بديلة ودعم جوي بطائرات مسيّرة، قبل وصوله إلى مناطق سيطرة الجيش في الشمال.
ويأتي هذا التطور في ظل استمرار الانقسام الميداني في السودان، حيث يسيطر الجيش على الشمال والشرق والوسط والعاصمة الخرطوم، بينما تفرض قوات الدعم السريع نفوذها على معظم إقليم دارفور وأجزاء من كردفان.
ويرى محللون أن انشقاق القِبّة يحمل بعداً معنوياً أكثر منه عسكرياً مباشراً، لكنه قد يشجع حالات انشقاق أخرى داخل قوات الدعم السريع، خاصة مع تزايد الضغوط الميدانية.
وأشار مراقبون إلى قائد آخر انشق سابقاً يُدعى أمين ضحية الملقب بـ”أبو لهب”، معتبرين أن تأثيره قد يكون أكبر ميدانياً نظراً لخبرته وعلاقاته الواسعة في الإقليم.
ويأتي ذلك ضمن سلسلة انشقاقات شهدتها قوات الدعم السريع خلال الأشهر الماضية، من أبرزها انضمام القائد أبو عاقلة كيكل في أكتوبر/تشرين الأول 2024، والذي لعب لاحقاً دوراً في استعادة مناطق لصالح الجيش في ولاية الجزيرة مطلع 2025.
انضمام القِبّة أعاد فتح نقاش واسع داخل السودان حول ملف المحاسبة، حيث طالبت جهات حقوقية ولجان مقاومة بمحاكمات للمتورطين في انتهاكات، معتبرة أن أي تسوية سياسية لا يجب أن تتجاوز العدالة.
في المقابل، يرى مؤيدون لاستقباله أن استقطاب المنشقين يساهم في تقليل حدّة القتال وتسريع إنهاء الحرب، وهو ما عبّر عنه البرهان نفسه خلال الاستقبال، مؤكداً أن “الأبواب مفتوحة لكل من يختار التخلي عن السلاح”.