متابعة/ المدى
وصفت مجلة “ذي أتلانتك” الأمريكية الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران بأنها تمثل نموذجًا مختلفًا من الإخفاق، لا يرتبط هذه المرة بخلل في المعلومات الاستخباراتية كما حدث في حرب العراق، بل بسوء تقدير سياسي تجاهل معطيات دقيقة كانت متوفرة مسبقًا.
وذكرت المجلة، في تقرير تحليلي، أن الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية قدمت تقييمات متماسكة ودقيقة قبل اندلاع الحرب، مشيرة إلى أنها لم ترصد مؤشرات على نية إيران استخدام سلاح نووي أو امتلاكها قدرات صاروخية بعيدة المدى قادرة على استهداف الأراضي الأمريكية، خلافًا للتبريرات التي ساقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشن العمليات العسكرية.
وأضافت أن هذه التقديرات حذّرت أيضًا من أن أي هجوم عسكري على إيران قد يدفع طهران إلى الرد عبر استهداف دول الجوار ومحاولة إغلاق مضيق هرمز، وهو ما من شأنه التسبب بأزمة اقتصادية عالمية، مؤكدة أن هذه السيناريوهات كانت معروفة ومطروحة على صانع القرار قبل بدء الحرب.
وبحسب التقرير، فإن ما جرى لاحقًا يعكس تجاهلًا واضحًا لتلك التحذيرات، حيث أدت العمليات العسكرية إلى تداعيات معقدة، من بينها تصاعد التوتر الإقليمي وتزايد المخاطر على حركة الطاقة العالمية، في وقت لا يزال فيه النظام الإيراني قائمًا، خلافًا لما أُعلن عنه من أهداف للحرب.
وقارنت المجلة بين هذه الحرب والحرب الأمريكية على العراق قبل أكثر من عقدين، مشيرة إلى أن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة الخطأ، إذ اعتمدت إدارة الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش آنذاك على معلومات استخباراتية تبين لاحقًا عدم دقتها بشأن امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، بينما في الحالة الإيرانية كانت المعلومات دقيقة، لكن القرار السياسي اتخذ مسارًا مغايرًا لها.
ورأت المجلة أن هذا النمط يعكس نوعًا مختلفًا من القصور، لا يتعلق بجمع المعلومات أو تحليلها، بل بطريقة توظيفها في عملية صنع القرار، لافتة إلى أن الإصلاحات التي أُدخلت على أجهزة الاستخبارات بعد حرب العراق نجحت في تحسين دقة التقديرات، لكنها لم تمنع تجاهلها عند اتخاذ القرار النهائي.
كما أشارت إلى أن تجاهل المعطيات الاستخباراتية قد يكون مرتبطًا بقناعات سياسية مسبقة، أو بتقديرات مفرطة بالثقة في القدرات العسكرية، وهو ما قد يدفع نحو اتخاذ قرارات عالية المخاطر دون الأخذ بالتحذيرات القائمة.
ولفتت إلى أن بعض حلفاء واشنطن انتقدوا غياب تبرير واضح للحرب، معتبرين أنه في حال عرضت الإدارة الأمريكية المعلومات الاستخباراتية بشكل كامل وشفاف، لكان من الممكن أن تتجه الأمور نحو مسار دبلوماسي بديل، أو على الأقل تأجيل الخيار العسكري.
وختم التقرير بالإشارة إلى أن التجربة الحالية تطرح تساؤلات أوسع حول العلاقة بين الاستخبارات وصناعة القرار، ومدى قدرة المؤسسات على التأثير في السياسات الكبرى، خصوصًا في ظل أزمات معقدة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والاقتصادية والسياسية على حد سواء.