بقلم الاستاذ الدكتور / علي عبد الصمد خضير
لم تعد المكتبة العامة مؤسسة تقليدية تقتصر على إتاحة الكتب، بل أصبحت فضاءً معرفيًا مفتوحًا يتعامل مع مجتمع متنوع في لغاته وخلفياته الثقافية والفكرية. ومع هذا التنوع المتزايد، تبرز الترجمة بوصفها أحد أهم الوسائل التي تُمكّن المكتبة من أداء دورها الحقيقي في خدمة جميع المستفيدين دون استثناء. فالمستفيد لا يحتاج إلى مصدر معلومات فحسب، بل يحتاج إلى خدمة قادرة على التواصل معه بلغة يفهمها، ووفق بيئته العلمية والمكانية.
وتسهم الترجمة في جعل الخدمات المكتبية أكثر مرونة وشمولًا، إذ تساعد على تقديم الإرشادات والمعلومات والخدمات المرجعية بطريقة واضحة ومفهومة، مما يعزز قدرة المستفيد على الاستفادة الفعلية من مصادر المعرفة. كما تؤدي دورًا مهمًا في تقليل الحواجز اللغوية التي قد تمنع بعض الفئات من التفاعل مع المكتبة، ولا سيما الطلبة والباحثين من جنسيات مختلفة أو من بيئات لغوية متعددة. وبذلك تتحول الترجمة من مجرد عملية لغوية إلى أداة فاعلة لتحقيق العدالة في الوصول إلى المعرفة.
كما أن اعتماد الترجمة داخل المكتبات العامة يسهم في رفع مستوى رضا المستفيدين، لأن اللغة تمثل عنصرًا أساسيًا في بناء الثقة بين المؤسسة والمجتمع. فعندما يجد المستفيد أن المكتبة تراعي احتياجاته اللغوية والثقافية، فإنه يتعامل معها بوصفها مؤسسة قريبة منه، وليس مجرد مكان للحصول على الكتب. ومن هنا فإن الترجمة تسهم أيضًا في تعزيز الدور الثقافي والاجتماعي للمكتبة، لأنها تساعد على التقارب بين الثقافات المختلفة داخل المجتمع الواحد.
وفضلاً عن ذلك، أصبحت المكتبة العامة فضاءً ديناميكيًا تُقام فيه العديد من الأنشطة العلمية والإدارية، من خلال تنظيم الندوات وورش العمل والدورات التدريبية في مختلف التخصصات، فضلاً عن استقبال المستفيدين من المؤسسات العلمية والتربوية والأكاديمية والاجتماعية للتعريف بطبيعة الخدمات التي تقدمها المكتبة. ويعتمد نجاح هذه الأنشطة إلى حدٍّ كبير على كفاءة مواردها البشرية وتنوّع محتوياتها الثقافية والمكتبية، الأمر الذي يعزّز من دورها بوصفها مركزًا تفاعليًا لنقل المعرفة وتبادل الخبرات.
وعلى الرغم من أهمية هذا الدور، فإن تفعيل خدمات الترجمة في المكتبات العامة ما يزال يواجه عددًا من التحديات، من أبرزها نقص الكوادر المؤهلة، وضعف الدعم التقني، وعدم وجود خطط واضحة لتقديم خدمات متعددة اللغات. ومع ذلك، فإن التطورات التقنية الحديثة، وخاصة في مجال الترجمة الرقمية، تفتح آفاقًا واسعة أمام المكتبات لتطوير خدماتها بطريقة أكثر كفاءة وأقل كلفة.
إن تطوير خدمات المستفيدين في المكتبات العامة لم يعد ممكنًا بمعزل عن الترجمة، لأن التنوع اللغوي أصبح سمة أساسية في المجتمعات المعاصرة. وكلما استطاعت المكتبة أن توفّر خدماتها بلغة المستفيد، زادت قدرتها على تحقيق رسالتها في نشر المعرفة وتعزيز الوعي الثقافي، مما يجعل الترجمة عنصرًا جوهريًا في بناء مكتبة عامة قادرة على خدمة مجتمع متعدد الثقافات.