بغداد/ المدى
تواجه صادرات النفط في العراق تحديات متزايدة مع استمرار التوترات العسكرية في المنطقة وتعطل الملاحة عبر مضيق هرمز، ما دفع بغداد إلى خفض الإنتاج بعد اقتراب سعات التخزين من الامتلاء في موانئ الجنوب.
وقال محلل السلع في بنك يو بي إس السويسري، جيوفاني ستانوفو، إن محدودية سعة تخزين النفط في العراق والكويت أجبرت البلدين على تقليص الإنتاج، في وقت لم تواجه فيه السعودية والإمارات المشكلة ذاتها بفضل امتلاكهما قدرات تخزين أكبر. وأوضح أن عمليات تحميل السفن الموجودة في المنطقة ما تزال مستمرة، لكن التركيز سيتجه لاحقاً إلى مسألة السعات التخزينية إذا استمرت الأزمة.
وجاءت هذه التطورات مع تصاعد المواجهة العسكرية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ما أدى إلى اضطراب حركة نقل النفط من الشرق الأوسط. وتشير تقديرات بنك غولدمان ساكس إلى أن حجم النفط المنقول عبر مضيق هرمز تراجع بنحو 90%، إذ انخفض عدد السفن المارة يومياً من نحو 30 إلى 35 سفينة إلى ما بين سفينتين وثلاث فقط خلال الأسبوع الماضي.
ويُعد مضيق هرمز أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، إذ تمر عبره عادة نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط ومشتقاته. إلا أن تهديدات الحرس الثوري الإيراني للسفن، إلى جانب قرار شركات التأمين سحب تغطية مرور الناقلات، أديا عملياً إلى توقف حركة الملاحة فيه.
ويرى ستانوفو أن استمرار إغلاق المضيق لفترة أطول سيجبر الدول المنتجة على خفض الإنتاج بشكل متزايد، في حين قد تلجأ بعض الجهات إلى تخزين النفط تحسباً لنقص الإمدادات، ما يفاقم تقلبات الأسعار ويؤثر في سوق المشتقات النفطية.
وقد انعكست هذه التطورات سريعاً على الأسعار العالمية؛ إذ ارتفع سعر برميل النفط بنحو 20 دولاراً خلال الأسبوع الأول من الحرب، مسجلاً أعلى مستوى له منذ منتصف عام 2024. وبلغ سعر خام برنت عند إغلاق تعاملات الجمعة 92.69 دولاراً للبرميل بزيادة أسبوعية بلغت 27.2%، فيما وصل خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 90.9 دولاراً للبرميل بعد مكاسب أسبوعية تجاوزت 35%.
وفي الداخل العراقي، بدأت بغداد بالفعل تقليص الإنتاج في بعض الحقول الجنوبية، بينها حقل الرميلة النفطي – الأكبر في البلاد – إضافة إلى حقل غرب القرنة 2، بعد وصول مستويات التخزين في البصرة إلى مرحلة حرجة. وتشير تقديرات إلى أن الإنتاج قد يتراجع إلى نحو 1.15 مليون برميل يومياً إذا استمرت الأزمة، ما يعني خسارة أكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً من الإمدادات.
كما أفادت وكالة بلومبرغ بأن إنتاج العراق من النفط انخفض بنحو 60% مع استمرار الحرب المرتبطة بإيران وتعطل حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز. ونقلت الوكالة عن مصادر مطلعة أن العراق ينتج حالياً ما بين 1.7 و1.8 مليون برميل يومياً، مقارنة بنحو 4.3 ملايين برميل يومياً قبل اندلاع الصراع، نتيجة اختناقات لوجستية متزايدة في الخليج العربي وامتلاء مرافق التخزين.
وأشارت الوكالة إلى أن العراق كان أول منتج رئيسي في الخليج يخفض إنتاجه بسبب النزاع، فيما بدأت لاحقاً كل من الإمارات العربية المتحدة والكويت تقليص إنتاجهما أيضاً مع اتساع نطاق الاضطرابات في المنطقة.
ورغم أن صادرات العراق بلغت في شهري يناير وفبراير من العام الجاري نحو 3.5 مليون برميل يومياً، فإن استمرار تعطل الشحنات عبر الخليج يهدد هذه الوتيرة، خصوصاً أن معظم الصادرات العراقية تتجه إلى الأسواق الآسيوية عبر مضيق هرمز.
وفي هذا السياق، دعا مرصد إيكو عراق الحكومة إلى التحرك سريعاً لتنويع طرق تصدير النفط، مشيراً إلى أن الاعتماد شبه الكامل على موانئ البصرة يجعل الاقتصاد العراقي عرضة للمخاطر الجيوسياسية.
وأكد المرصد أن إحياء مشروع “طريق الشام الجديد” بات ضرورة اقتصادية، إذ يقترح مد خط أنابيب ينقل النفط من البصرة إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر، ومنه إلى مصر للتخزين والتكرير والتصدير عبر البحر المتوسط، بما يوفر منفذاً بديلاً للصادرات العراقية ويقلل من مخاطر الاعتماد على ممر واحد.
من جانبه، حذر عضو مجلس النواب محمد قتيبة البياتي من أن ارتدادات الحرب في منطقة الخليج ستنعكس بشكل واضح على الاقتصاد العراقي خلال الفترة المقبلة بعد تعطل الجزء الأكبر من صادرات النفط.
وقال البياتي إن الحرب الدائرة في الخليج مع إغلاق مضيق هرمز حرمت العراق من تصدير أكثر من 90% من نفطه الخام، مشيراً إلى أن ذلك ستكون له تداعيات واضحة على الوضعين الاقتصادي والمالي في البلاد، رغم ارتفاع أسعار النفط العالمية إلى أكثر من 90 دولاراً للبرميل وربما وصولها إلى 100 دولار خلال الأيام المقبلة.
وأضاف أن أفق إنهاء الحرب لا يزال غير واضح، مع مخاوف من اتساعها لتشمل دولاً أخرى في المنطقة، ما يستدعي إعداد خطط اقتصادية بديلة لمواجهة التحديات المحتملة، خاصة أن خط التصدير الرئيس لمعظم النفط العراقي يمر عبر الخليج العربي باتجاه مضيق هرمز.