أكدت مصادر حكومية أن هناك حزمة من الإجراءات الاستباقية جرى تفعيلها لاحتواء الارتفاع الأخير في سعر الصرف. وتتمحور هذه الإجراءات حول “تعزيز الرقابة الميدانية”؛ حيث تنفذ الجهات المختصة حملات مراقبة مكثفة على حركة البيع والشراء في الأسواق غير الرسمية.
الهدف من هذه التحركات هو الحد من “المضاربات العبثية” التي ترفع الطلب الوهمي على الدولار. وترى الحكومة أن تقليص الفجوة بين السعر الرسمي (1320) والسعر الموازي يتطلب بالضرورة تجفيف منابع “الدولار السياسي” و”الدولار المهرب”، وتحويل الكتلة النقدية نحو القنوات المصرفية الرسمية التي توفر العملة بأسعار ثابتة للتجار والمواطنين.
احتياطيات العملة: “خط الدفاع الأول”
لا تزال احتياطيات العراق من العملة الصعبة تمثل “المصد التاريخي” الذي يمنع انهيار الدينار. ووفقاً لمصادر اقتصادية، فإن البنك المركزي يستخدم هذه الاحتياطيات بحكمة لتلبية “الطلب الحقيقي” المرتبط بالتجارة الخارجية المشروعة واحتياجات المواطنين المسافرين.
إن توفر غطاء مالي قوي يمنح السلطة النقدية القدرة على المناورة، فكلما زادت وتيرة تمويل التجارة عبر “المنصة الإلكترونية” والمصارف المراسلة، قل اعتماد التجار على السوق الموازية، وهو ما يؤدي تلقائياً إلى خفض الضغط على مكاتب الصرافة وتراجع سعر الصرف غير الرسمي.
في موازاة الإجراءات الاقتصادية، برزت ملفات المحاسبة والنزاهة كجزء لا يتجزأ من عملية ضبط السوق. فقد أعادت وزارة المالية فتح التحقيق في قضية “التلاعب ببيع الدولار للمسافرين” في منفذ مصرف الرافدين بمطار بغداد الدولي، وهي القضية التي كشفت عن ثغرات استغلها فاسدون لتهريب العملة تحت غطاء السفر.
كما انه واستنادا الى توجيه من وزارة المالية، استدعى مصرف الرافدين 20 مسؤولا وموظفا لديه للتحقيق معهم بهذه القضية، فيما حدد المصرف يوم 15 من شهر كانون الثاني/يناير الجاري، و22 من الشهر نفسه للتحقيق مع اولئك المسؤولين والموظفين.

وكانت وزيرة المالية طيف سامي قد أصدرت في وقت سابق قراراً بسحب يد مدير مصرف الرافدين علي الفتلاوي وأكثر من 20 مسؤولاً وموظفاً على خلفية شبهات تتعلق بالتلاعب ببيع الدولار في منفذ مطار بغداد الدولي إضافة إلى مخالفات أخرى.
هذا التحرك يرسل إشارة واضحة بأن “الدولار المدعوم” مخصص فقط للمستحقين، وأن أي تلاعب في منافذ المطار سيواجه بعقوبات إدارية وقضائية صارمة، مما يساهم في سد ثغرة كبيرة كانت تُستخدم لتغذية السوق الموازي بأموال الدولة.
رؤية الخبراء: “الإصلاح يحتاج إلى نفس طويل”
رغم التفاؤل بالإجراءات الحكومية، يرى خبراء اقتصاديون أن النتائج الملموسة في خفض سعر الصرف قد تحتاج إلى وقت لتظهر بوضوح في الأسواق.
وتؤكد المعطيات أن الحكومة العراقية مصممة على إنهاء “ازدواجية السعر” خلال العام الحالي. فبين تشجيع التعامل عبر المنصات الرسمية وبين تطهير المصارف الحكومية من العبث الإداري، تبدو الطريق مرسومة نحو “دينار مستقر”.
إن المعركة اليوم ليست مجرد أرقام على شاشات البورصة – بحسب خبراء – بل هي معركة استعادة هيبة الدولة في القطاع المالي. ومع اقتراب موعد التحقيقات النهائية في مصرف الرافدين (نهاية كانون الثاني الجاري)، يترقب السوق نتائج هذه الإجراءات التي قد تؤدي إلى هبوط اضطراري لأسعار الدولار الموازي بمجرد إحكام السيطرة على منافذ البيع النقدي.
