متابعة/المدى
مع تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، يتجه الصراع نحو نمط جديد من الحروب يعتمد بصورة متزايدة على أدوات الذكاء الاصطناعي، في تحول يراه خبراء بداية لمرحلة مختلفة في إدارة العمليات العسكرية وصياغة القرار الحربي.
فبينما تتواصل الضربات الجوية المركزة ضد مواقع عسكرية إيرانية، تتزايد التساؤلات حول طبيعة الأهداف الاستراتيجية للحملة العسكرية، وما إذا كانت ستقود إلى تغيير جذري في بنية النظام في طهران أو إلى إعادة رسم التوازنات الأمنية في المنطقة.
ويرى خبراء ومحللون عسكريون أن ما يجري يمثل نموذجاً لحرب تعتمد على تحليل البيانات الضخمة والخوارزميات الذكية لتحديد الأهداف وتقدير النتائج، ما يسمح بتنفيذ عمليات سريعة ودقيقة مقارنة بالحروب التقليدية.
ضربات دقيقة مدعومة بالذكاء الاصطناعي
يقول الخبير في الشؤون السياسية والعسكرية مهند العزاوي إن العمليات العسكرية الحالية تعتمد على استهدافات دقيقة يتم تحديدها عبر منظومات تحليل متقدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، ما يتيح تنفيذ ضربات سريعة التقييم ومباشرة النتائج.
ويشير إلى أن العمليات العسكرية ركزت على مستويين من الأهداف؛ الأول يتعلق بضرب القدرات العسكرية والبنية التحتية للصناعات العسكرية الإيرانية، والثاني يرتبط بالأهداف التكتيكية مثل مراكز القيادة والسيطرة وبعض المنشآت الحساسة.
ويضيف العزاوي أن الضربات أدت إلى تدمير نسبة كبيرة من هذه القدرات، بما في ذلك مصانع السلاح والطائرات المسيرة والصواريخ ومنشآت إنتاج الوقود الصلب والسائل المستخدم في البرامج الصاروخية.
مرحلة جديدة من المواجهة
وبحسب تقديرات العزاوي، فإن العمليات العسكرية تقترب من نهاية مرحلتها الثانية، مع مؤشرات على الانتقال إلى مرحلة ثالثة قد تركز على تفكيك منظومة القيادة والسيطرة داخل النظام الإيراني.
ويشير إلى أن هذه المنظومة تعتمد على شبكة معقدة من الاتصالات والتوجيهات التي تربط القيادة المركزية بالوحدات العسكرية المنتشرة على الأرض، وأن استهداف هذه الشبكة قد يحد من قدرة القيادة العسكرية على إدارة العمليات.
كما يلفت إلى أن كثافة الضربات الجوية – التي وصلت وفق تقديرات إسرائيلية إلى نحو 200 غارة خلال 24 ساعة – قد تؤدي إلى تعطيل منظومة التصنيع العسكري بشكل شبه كامل.
الذكاء الاصطناعي يغير قواعد الحرب
من جهتها، تقول الباحثة في الشأن السياسي هيلة المشوح إن التحول الأكبر في هذه الحرب يتمثل في انتقال القرار العسكري من غرف العمليات التقليدية إلى أنظمة تحليل رقمية قادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات في وقت قياسي.
وتوضح أن الأنظمة الذكية تقوم بتحليل صور الأقمار الصناعية والاتصالات العسكرية وتحركات القوات، ثم تقدم سيناريوهات متعددة للضربات المحتملة مع تقدير نسب النجاح والخسائر المحتملة.
وترى أن هذا التحول لا يتعلق بسرعة التنفيذ فقط، بل بطريقة التفكير العملياتي، إذ يمكن للأنظمة الذكية اقتراح أهداف جديدة بناءً على تحليل معقد لأنماط سلوك الخصم.
حرب المعلومات والفضاء الرقمي
بدوره، يشير الصحفي السعودي مشاري الذايدي إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مقتصراً على ساحة القتال المباشر، بل أصبح جزءاً من حرب المعلومات والصورة، خصوصاً في عصر وسائل التواصل الاجتماعي.
ويضيف أن إنتاج الصور والفيديوهات باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبح أداة مؤثرة في المعارك الإعلامية والنفسية، ما يجعل الصراع يمتد إلى المجال الرقمي إلى جانب الميدان العسكري.
أسئلة أخلاقية واستراتيجية
ورغم المزايا العملياتية التي توفرها هذه التقنيات، يثير استخدامها في الحروب تساؤلات أخلاقية وقانونية متزايدة، خصوصاً فيما يتعلق بمسؤولية القرار عندما يكون مبنياً على توصيات خوارزمية.
ويحذر خبراء من أن الاعتماد المتزايد على الأنظمة الآلية قد يؤدي إلى تسريع وتيرة التصعيد العسكري، في ظل تقلص الزمن اللازم لاتخاذ القرار.
ومع استمرار التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، يبدو أن الحروب المستقبلية ستعتمد بشكل متزايد على البيانات والخوارزميات، ما يجعل التفوق التكنولوجي عاملاً حاسماً في موازين القوة العسكرية.