متابعة/ المدى
يتجه لبنان نحو أزمة معيشية متفاقمة، مع تحذيرات أممية من تدهور سريع في الأمن الغذائي نتيجة استمرار التوترات العسكرية وانعكاساتها المباشرة على الأسواق وسلاسل الإمداد. وفي وقت تشير فيه الجهات الرسمية إلى توفر مخزون استراتيجي يكفي لعدة أشهر، تكشف المعطيات الميدانية عن واقع أكثر تعقيداً، خصوصاً في المناطق الجنوبية التي تشهد اضطراباً حاداً في النشاط الاقتصادي.
برنامج الأغذية العالمي أكد أن تداعيات العمليات العسكرية لم تقتصر على النزوح، بل امتدت لتضرب بنية الأسواق وقدرة السكان على تأمين احتياجاتهم الأساسية، وسط ارتفاع ملحوظ في أسعار المواد الغذائية وتراجع في مستويات الدخل. ووفق تقديرات البرنامج، فإن أسعار الخضراوات ارتفعت بأكثر من 20%، فيما سجلت أسعار الخبز زيادة بنسبة 17% منذ بداية شهر آذار، ما يعكس حجم الضغط الذي تتعرض له القدرة الشرائية للأسر، لا سيما مع تزايد أعداد النازحين.
وتشير المعطيات إلى أن الأزمة في لبنان تتخذ طابعاً مزدوجاً، حيث تعاني بعض المناطق من انهيار شبه كامل في الأسواق، خاصة في الجنوب، الذي خرجت فيه نسبة كبيرة من المحال التجارية عن الخدمة، في حين تواجه الأسواق في العاصمة بيروت ضغطاً متزايداً نتيجة تركز الطلب وارتفاع الكثافة السكانية بعد موجات النزوح. هذا التباين يعمّق الفجوة بين المناطق ويزيد من صعوبة الاستجابة المتوازنة للأزمة.
في المقابل، تحاول الجهات الحكومية طمأنة الرأي العام عبر التأكيد على أن المخزون الغذائي لا يزال ضمن الحدود الآمنة، وأن سلاسل التوريد تعمل بشكل طبيعي في الموانئ والمعابر البرية. إلا أن هذه التصريحات تصطدم بشهادات ميدانية من تجار في المناطق المتضررة، أفادوا بأن مخزونهم من المواد الأساسية قد لا يكفي لأكثر من أسبوع واحد، ما يضع علامات استفهام حول قدرة السوق المحلية على الصمود في حال استمرار التوترات.
كما تبرز تحديات إضافية تتعلق بإيصال المساعدات الإنسانية، إذ تواجه المنظمات صعوبات لوجستية في الوصول إلى بعض المناطق الجنوبية، رغم إعادة تشغيل بعض الممرات الحيوية. وقد تمكنت فرق برنامج الأغذية العالمي من إيصال عدد محدود من القوافل الإغاثية، مستهدفة عشرات الآلاف من المتضررين، إلا أن حجم الاحتياج يتجاوز بكثير الإمكانات الحالية.