خاص/المدى
أعلن الحرس الثوري الإيراني، فرض سيطرته “الكاملة” على مضيق هرمز، في خطوة تصعيدية تهدد أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، فيما يواجه العراق تحديات حقيقية في تصدير نفطه بعد توقف الملاحة في المضيق.
ونقلت وكالة وكالة أنباء فارس عن المسؤول البحري في الحرس الثوري، محمد أكبر زاده، قوله إن المضيق “يخضع حالياً لسيطرة كاملة من القوة البحرية للحرس الثوري”. ويأتي هذا الإعلان في ظل تصاعد الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من هجمات على منشآت وبنى تحتية للطاقة في منطقة تنتج نحو ثلث النفط العالمي.
في المقابل، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن البحرية الأميركية قادرة على مرافقة ناقلات النفط في مضيق هرمز “عند الضرورة”، مشيراً إلى إصدار أوامر لمؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية لتوفير خدمات تأمين ضد المخاطر السياسية وضمانات مالية للتجارة البحرية عبر الخليج، في محاولة لتهدئة الأسواق العالمية.
تعطل الصادرات العراقية
ونقلت “رويترز” عن مسؤولين أن العراق، ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك، خفّض إنتاجه بنحو 1.5 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب نصف إنتاجه، بسبب محدودية سعة التخزين وتوقف الصادرات عبر الخليج.
وأضاف المسؤولون أن بغداد قد تضطر إلى إيقاف كامل إنتاجها البالغ نحو ثلاثة ملايين برميل يومياً خلال أيام إذا لم تُستأنف عمليات التصدير، وهو ما يشكل ضغوطاً شديدة على الاقتصاد العراقي الذي يعتمد بشكل شبه كامل على عائدات النفط.
وتعرضت ناقلات نفط لهجمات في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً، فيما ظلت حركة الملاحة متوقفة فعلياً لليوم الرابع على التوالي.
وأدى هذا الواقع إلى بحث دول وشركات عن بدائل، حيث أعلنت الهند وإندونيسيا عن جهود لتأمين مصادر طاقة جديدة، بينما أغلقت بعض المصافي الصينية أبوابها أو نفذت خطط صيانة. كما أفادت مصادر بأن شركة أرامكو السعودية تسعى لتحويل جزء من صادراتها إلى البحر الأحمر لتفادي المرور عبر المضيق.
في الأسواق العالمية، انعكست التطورات الأمنية على أسعار النفط، إذ ارتفع خام برنت 1.11 دولار، أو 1.4%، ليصل إلى 82.53 دولاراً للبرميل، مسجلاً أعلى مستوى إغلاق منذ يناير 2025. كما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 79 سنتاً، أو 1.1%، إلى 75.37 دولاراً للبرميل.
وفي الوقت نفسه، أظهرت بيانات أولية لمعهد البترول الأميركي ارتفاع مخزونات الخام 5.6 ملايين برميل الأسبوع الماضي، متجاوزة توقعات المحللين، فيما يترقب المستثمرون صدور الأرقام الرسمية لاحقاً اليوم.
وقال المحلل السياسي علي اغوان في حديثٍ تابعته (المدى) إن “تقليص إنتاج حقل الرميلة الجنوبي النفطي بنسبة 100% بدأ منذ الساعة الثالثة مساءً يوم 3/3، لأسباب تتعلق بامتلاء الخزنات وعجز ناقلات النفط عن الدخول إلى الخليج لنقل النفط”.
وأضاف أن “هذا الحقل وحده ينتج ما يقارب 30% من نفط العراق، أي نحو 1.3 إلى 1.4 مليون برميل يومياً، ويحتوي على احتياطي يُقدر بـ17 مليار برميل، ما يعادل احتياطي جزيرة غرينلاند”.
وأشار إلى أن “هذا الإيقاف قد يشمل حقول النفط الكبرى الأخرى مثل غرب القرنة والحقول الشمالية، ما قد يؤدي إلى توقف الإنتاج اليومي بالكامل الذي يتجاوز 3.4 مليون برميل للتصدير”.
وأوضح أن العراق يمتلك أنبوب تصدير إلى تركيا قادر على استيعاب أكثر من 1.4 مليون برميل يومياً إذا كان جاهزاً بالكامل، لكنه يعمل حالياً تحت ضغط محدود ويستطيع نقل 140 إلى 150 ألف برميل فقط بسبب الحاجة للصيانة والتوسعة.
وأكد اغوان أن “هذا الفشل المتراكم هو نتيجة عقلية إدارية بائسة منذ عام 2003، حيث يعتمد العراق على تصدير 95% من نفطه عبر البصرة بدون بدائل حقيقية باتجاه سوريا أو الأردن أو السعودية، ما يضع البلاد أمام أزمة كبيرة إذا توقف المضيق أو تعرّضت خطوط التصدير لأي تهديد”.
من جانبه، قال المتخصص في الشأن الاقتصادي أحمد الكربولي خلال حديث لـ(المدى) أن العراق قادر على تجاوز أزمة توقف الصادرات النفطية مؤقتاً، حتى في ظل غياب بدائل مباشرة، عبر عدة إجراءات اقتصادية واستراتيجية.
وأوضح الكربولي أن “على الحكومة التركيز على خفض النفقات غير الضرورية، وإعادة ترتيب أولويات الميزانية لتوفير السيولة لمواجهة الصدمات، مع تسريع إجراءات تحصيل المستحقات الداخلية والضرائب المتأخرة لتحريك الاقتصاد المحلي”.
وأضاف أن “العراق يمتلك احتياطيات مالية وإيرادات نفطية مخزنة يمكن توظيفها لتأمين واردات المواد الأساسية، إلى جانب اللجوء إلى القروض قصيرة الأجل من مؤسسات مالية دولية لضمان الاستقرار النقدي والمالي، وتفادي الانهيار الاقتصادي الفوري”.
وأشار إلى أن “تفعيل الاستثمارات المحلية في قطاعات الطاقة المتجددة والصناعات التحويلية يمكن أن يقلل الاعتماد على الصادرات النفطية، ويخلق فرص عمل ويخفض العجز التجاري تدريجياً”.
وشدد الكربولي على ضرورة “تحسين إدارة مخزون النفط الداخلي، واستغلال خطوط الأنابيب البديلة المتاحة حتى ولو كانت بقدرة محدودة، والتفاوض مع الدول المجاورة لزيادة استيعاب الصادرات عبرها، بما يخفف الضغط عن الاقتصاد ويتيح استمرارية الإيرادات الأساسية”.
وأضاف: “حتى في أسوأ السيناريوهات، يمكن للعراق أن ينجو من أزمة توقف النفط مؤقتاً إذا تم اتخاذ إجراءات سريعة وحكيمة، مع التركيز على ضبط السوق المحلية ومنع التضخم المفرط وحماية القطاعات الحيوية”.