في هذا الوطن المبتلى بالعيب، لا حدود للمفارقات، حزينها وموهومها معاً. صحيح أن اليأس أوهننا طويلاً، وأخذ منا ما لم نعد نملك طاقةً على تبديده، حتى بدا أدنى طماح ضرباً من رجاءٍ غير مضمون، تحويرا لبيت الجواهري الكبير وهو يناجي دجلة الخير. وبات العراقي مثقلاً بالحيف والبأس وانعدام الحيلة، حتى صار يشعر أن عنده، كما قال الشاعر، “من الآسى جبل يمشي معه وينتقل”.
لم يعد الكلام ولا الصمت تعبيراً عن موقف أو إرادة، إنما حالتين تغريان على القتل برصاص طرفٍ ثالث بات معلوماً، يحكم ويصادر متباهيا جهارا بولائه لغير وطنه ويتبختر برايةٍ ليست راية بلاده، ويفتدي مرجعه بالعراق وشعبه ومستقبله، من غير حياء ولا اكتراث بحرمة.
وبعد أربعة عقود من الجور والمحن المستدامة، يتحقق لنا نصر كروي عالمي، يعيد شيئاً من الأمل، ويوقظ شيئاً من التطلع إلى استنهاض همم الذين هد الجور كواهلهم، ونال منهم العبث، واستبيحت أمامهم مقدرات البلاد، وصودرت إرادتهم على أيدي حكام الصدفة والتفاهة.
إن هذا النصر يستحق كل تكريمٍ يعلو على الصغائر ويحول دون إظهارها كما لو انها فرمان يعيد الى الأذهان اذلال الخلفاء لشعراء المديح والإشادة طمعاً للجائزة لا احتراماً للكلمة وتقديرا للعبقرية والابداع.
لم ينتظر اللاعبون المبدعون، وهم يمنحون الكرة العراقية هذا الدفق من وجدانهم، تكريماً يظهرهم كما لو أنهم لم يبدعوا إلا من أجل عطاءٍ مادي. لقد لعبوا من أجل إشاعة الفرح، ومن أجل أن يتقاسموا مع جمهورهم، ومع شعبهم، لحظة نادرة من النور، في بلدٍ كاد ناسه ينسون أنهم يعيشون في ظل دولة، لا في غابة ذئابٍ سائبة لم تعد تعرف معنى الشرف ولا معنى الولاء للوطن.
وقد تحقق لهم ما أرادوا من احتفاءٍ قل مثيله من شعبهم بكل مكوناته. ويكفيهم أن بطولتهم وحدت العراقيين، ولو إلى حين، ورفعت منسوب الوعي بأن هذا الشعب، مهما أثقلته الانقسامات والجراح، ما يزال قادراً على الاجتماع حول لحظة فرحٍ صافية. ويكفيهم أيضاً أن بطولتهم ستبقى في الذاكرة العراقية بوصفها لحظة عافية نادرة، جاءت بعد طول إنهاك وانتظار.
وربما كانت التفاتة رئيس وزراء تصريف الأعمال بتهنئتهم واقتراح إصدار طابعٍ تذكاري للفريق، وتخصيص ميزانية مناسبة له وللجنة الأولمبية العراقية، فضلاً عن أية جائزة مالية مجزية، كافيةً ووافيةً في التعبير عن تقدير الدولة لهذا الإنجاز.
ولابد من التذكير أن الفوز الكروي ليس منجزاً يجسد الحالة السياسية في العراق، ولا يعكس بالضرورة صورة البلاد وهي تتقاذفها رياح الخطر، بل هو، على العكس، فعل تحد رمزي في وجه من يتوهم أن العراق لم يعد قادراً على النهوض، أو أنه استسلم نهائياً للخراب الذي دفع إليه. إنه برهان صغير، لكنه بليغ، على أن هذه البلاد ما تزال تملك ما يفيض على العطب: الموهبة، والحياة، والقدرة على تحويل الحطام إلى أفق.
وأخيراً، إذا كان لا بد من سؤالٍ يطل من وراء هذا المشهد كله، فهو ليس عن قيمة الانتصار، لأن الانتصار واضح في معناه وصداه، بل عن قيمة ما صار يمنح بلا استحقاق، ويبتذل بلا هيبة: هل بقي للجواز الدبلوماسي من قيمة فعلاً، إذا كان تكريم الإنجاز الحقيقي ما يزال يحتاج إلى كل هذا الدفاع الأخلاقي والمعنوي؟