متابعة / المدى
في ظل تصاعد التوترات الدولية واتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط، بدأت ملامح تحولات جديدة في مواقف القوى الكبرى، مع تزايد القلق من التداعيات طويلة الأمد للصراع، سواء على صعيد الأمن أو الاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق، حذّر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من أن تبعات الحرب على إيران لن تكون مؤقتة، بل قد تمتد آثارها “لجيل كامل”، في إشارة إلى حجم التعقيد الذي بات يطبع المشهد الدولي.
وقال ستارمر، في تصريحات صحفية من مقر الحكومة في داونينغ ستريت، إن الاضطرابات العالمية المتسارعة تفرض على بلاده إعادة النظر في أولوياتها الاستراتيجية، مؤكداً أن “المصالح الوطنية على المدى الطويل تتطلب شراكة أوثق مع الحلفاء الأوروبيين”، في تحول لافت عن النهج التقليدي الذي كان يضع الولايات المتحدة في صدارة الشراكات البريطانية.
ويأتي هذا التوجه في وقت تتصاعد فيه حدة التباين بين لندن وواشنطن، خاصة بعد الانتقادات الحادة التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الحكومة البريطانية، على خلفية عدم انخراطها في الحرب ضد إيران. إلا أن ستارمر شدد على أنه “لن يستسلم للضغوط” ولن يجر بلاده إلى صراع عسكري، مفضلاً التركيز على المسار الدبلوماسي وتعزيز العلاقات الأوروبية.
وفي مؤشر على هذا التحول، أعلن ستارمر أن بلاده تستعد لعقد قمة مع الاتحاد الأوروبي خلال الصيف المقبل، بهدف إعادة بناء العلاقات ومعالجة ما وصفه بـ”الأضرار الجسيمة” التي خلفها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مع التأكيد في الوقت ذاته على عدم العودة إلى السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي.
وعلى صعيد متصل، كشفت الحكومة البريطانية عن تحركات دولية مكثفة لمعالجة تداعيات الحرب، خاصة ما يتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعد شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي. وأشار ستارمر إلى أن بلاده ستستضيف سلسلة اجتماعات مع حلفائها، بمشاركة نحو 35 دولة، لبحث سبل إعادة فتح المضيق وتأمينه.
ومن المقرر أن تتضمن هذه الجهود مرحلتين رئيسيتين، تبدأ الأولى بعمليات إزالة الألغام وتأمين الممرات البحرية، تليها مرحلة حماية ناقلات النفط والسفن التجارية، في محاولة لاحتواء التأثيرات الاقتصادية المتصاعدة للأزمة.
وتعكس هذه التحركات حجم القلق الدولي من تداعيات استمرار الحرب، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد، وهو ما يضع ضغوطاً متزايدة على الحكومات في مختلف أنحاء العالم.
وبينما تتجه بريطانيا نحو تعميق شراكاتها الأوروبية وتبني مقاربة أكثر حذراً إزاء الانخراط العسكري، يبقى المشهد الدولي مفتوحاً على احتمالات متعددة، في ظل غياب مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية سياسية تنهي واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في السنوات الأخيرة.