متابعة/المدى
حثّ رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، السبت، على استقاء الدروس والعبر من جرائم الإبادة الجماعية التي تعرض لها الكرد الفيليون إبان حكم نظام البعث في العراق، مؤكداً ضرورة أن تبادر الحكومة الاتحادية إلى القيام بواجبها وتعويض هذه الشريحة مادياً ومعنوياً.
جاء ذلك في بيان أصدره بمناسبة الذكرى الـ46 للإبادة الجماعية للكورد الفيليين، حيث قال: “نحيي اليوم هذه الذكرى لسلسلة جرائم الإبادة الجماعية والتهجير والتغييب ضد الأخوات والإخوة الكرد الفيليين، المظلومين الذين تعرضوا للإعدام والقتل والاعتقال والتغييب القسري والتهجير، وتم تجريدهم من جنسيتهم ومصادرة ممتلكاتهم وعقاراتهم، في إطار حملة وحشية شنها النظام العراقي آنذاك ضدهم لمجرد كونهم كرداً دافعوا عن هويتهم وعن الحقوق المشروعة لشعبهم”.
وأضاف أن “تهجير مئات الآلاف من الكرد الفيليين إلى خارج الحدود وتغييب عشرات آلاف آخرين منهم، يمثل عملية إبادة جماعية عنصرية ارتكبها البعث الذي ورّث العراق تاريخاً أسود وماضياً مريراً متخماً بالأخطاء”.
وأكد بارزاني أنه “في هذه الذكرى، نجدد التأكيد على وجوب قيام الحكومة الاتحادية العراقية بأداء واجبها، وتعويض الضحايا والمتضررين مادياً ومعنوياً، وإعادة الجنسية والممتلكات والعقارات إليهم، وذلك بموجب قرار المحكمة الجنائية العراقية العليا التي صنفت تلك الجريمة كجريمة إبادة جماعية”.
وتابع: “نضال وإخلاص وتضحيات الأخوات والإخوة الكرد الفيليين ستبقى دائماً موضع فخر لشعبنا”، مشدداً على ضرورة أن “يصبح ذلك الماضي المرير درساً وعبرة لبناء مستقبل أفضل للعراق على أساس التعايش وقبول الآخر، وسنواصل مساعينا وجهودنا في هذا السبيل، وسنقدم كل ما يلزم من تعاون”.
ويُذكر أن أوائل شهر نيسان/أبريل من كل عام خُصص يوماً رسمياً لـ”الشهيد الفيلي” لاستذكار جرائم النظام السابق الذي رأسه صدام حسين لأكثر من ثلاثة عقود، حيث جرى اقتياد آلاف الشبان من الكرد الفيليين إلى أماكن مجهولة، وما يزال مصيرهم غامضاً، مع ترجيحات بأنهم قضوا في المعتقلات أو دُفنوا في مقابر جماعية.
وكان نظام البعث قد شرع في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات بحملة واسعة لتهجير الكرد الفيليين، وسحب الجنسية العراقية منهم، ومصادرة ممتلكاتهم وأموالهم المنقولة وغير المنقولة، كما تعرضوا للتسفير والاعتقال والقتل إبان حكم أحمد حسن البكر في عامي 1970 و1975، ثم خلال حكم صدام حسين في 1980، ويرى مؤرخون أن التهجير جاء بسبب انتماءاتهم المذهبية والقومية.
وفي العام 2010، أصدرت المحكمة الجنائية العراقية العليا حكماً بشأن جرائم التهجير والتغييب ومصادرة حقوق الكرد الفيليين، واعتبرتها من جرائم الإبادة الجماعية، كما أصدرت الحكومة العراقية في 8 كانون الأول/ديسمبر 2010 قراراً تعهدت بموجبه بإزالة الآثار السيئة لتلك الجرائم، أعقبه قرار من مجلس النواب في 1 آب/أغسطس من العام نفسه عدّ التهجير والتغييب القسري جريمة إبادة جماعية.
وبمناسبة “يوم الشهيد الفيلي” الذي يصادف 4 نيسان/أبريل من كل عام، نظم الكرد الفيليون، مساء الجمعة، وقفة جماهيرية قرب نصب الشهيد الفيلي في شارع فلسطين بالعاصمة بغداد، بحضور عدد من المسؤولين من مختلف الجهات السياسية الفيلية، لاستنكار حملات التهجير القسري والإبادة الجماعية التي تعرضت لها هذه الشريحة خلال عهد النظام السابق.
وتهدف هذه الوقفة، إلى توثيق مأساة الكرد الفيليين ونقلها إلى الأجيال القادمة، كي لا تُطمس الحقائق ولا يُخفي تقادم الزمن تلك الجرائم البشعة.
من جهته، قال مستشار مجلس النواب لشؤون الكورد الفيليين فؤاد علي أكبر: “نستذكر الشهداء الذين كانوا الأثر الأكبر في حياتنا، والذين قدموا تضحيات عظيمة في سبيل الحقوق والكرامة”، مضيفاً أن “الأمم التي لا تحترم شهداءها تبقى عرضة للانكسار، لذلك فإن استذكارهم ليس مجرد واجب، بل هو حماية لمستقبلنا”.
وطالب بـ”تحرك جاد للكشف عن مصير المفقودين الذين ما تزال عائلاتهم تنتظر خبراً عنهم، ولم يُعثر حتى الآن إلا على عدد محدود من الرفات”، مشيراً إلى أن “هذه الوقفة تأكيد على حقوق ذوي الشهداء الذين تعرضوا للتعذيب والتهجير، ولم يُمنحوا حتى حق دفن أبنائهم أو زيارة قبورهم”.
وأكد أن “شريحة واسعة تعرضت للترهيب والقتل دون أن يكون لها تمثيل حقيقي في مؤسسات الدولة”، لافتاً إلى أن “أبناء المكون الفيلي محرومون من دورهم، إذ لا صوت لهم ولا حضور في مواقع القرار”.
بدورها، قالت الناشطة الفيلية صباح نور الدين: “إننا نقف اليوم وقفة إجلال واحترام أمام تضحيات من قدموا أرواحهم دفاعاً عن الوطن والكرامة، وهذه المناسبة ليست مجرد استذكار، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية تحتم علينا حفظ حقوق الشهداء وعوائلهم ومواصلة المطالبة بالعدالة”.
وأضافت أن “عائلات الشهداء ما تزال تعيش معاناة كبيرة، خاصة أولئك الذين لم يُعثر على رفات أبنائهم حتى الآن”، مؤكدة أن “هذا الملف بحاجة إلى حراك جاد من الجهات المعنية لإنهاء سنوات الانتظار والألم”.
وأشارت إلى أن “شريحة الفيليين تعرضت للظلم والتهجير والانتهاكات، وما تزال حتى اليوم تعاني من التهميش وغياب التمثيل الحقيقي داخل مؤسسات الدولة، وهو أمر يتطلب معالجة عاجلة تضمن لهم حقوقهم ودورهم في المجتمع”.
ويُذكر أن الكرد الفيليين، وهم مجموعة عرقية تنتمي إلى القومية الكوردية وتعتنق المذهب الشيعي، تعرضوا بين أعوام (1970–2003) لحملات تهجير وإبادة جماعية، وسُحبت منهم الجنسية العراقية واعتُبروا إيرانيين، مع مصادرة ممتلكاتهم وأموالهم، وترحيل مئات الآلاف واختفاء أكثر من 20 ألف شخص لم يُعثر على رفاتهم حتى اليوم.