بقلم/ ناصر السلاموني
في تحوّل لافت يعكس تراجعًا نسبيًا في حدة الخطاب الأمريكي، بدت واشنطن وكأنها تعيد حساباتها في مواجهة إيران، بعدما انتقلت من لغة التهديد والوعيد إلى الحديث عن “مباحثات بنّاءة” وإجراءات لخفض التصعيد. ويبدو أن هذا التغير لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة تعقيدات ميدانية وضغوط سياسية واقتصادية، كشفت أن خيار القوة لم يعد مضمون النتائج، وأن كلفة المواجهة باتت أعلى من احتمالات تحقيق مكاسب سريعة.
وبحسب ما نشره الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على حسابه الرسمي في منصة Truth Social خلال الأيام الماضية، فقد أشار إلى أن الولايات المتحدة دخلت في محادثات وصفها بـ“المثمرة جدًا” مع إيران، بهدف التوصل إلى حل شامل ينهي حالة التوتر في الشرق الأوسط. كما أوضح أنه أصدر تعليمات بتأجيل أي ضربات عسكرية كانت مخططة ضد منشآت الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام، معتبرًا ذلك “بادرة حسن نية” تتيح المجال أمام المسار الدبلوماسي. وقد فُسّر هذا الإعلان، الذي جاء بعد تصعيد ملحوظ، في عدد من التحليلات السياسية، على أنه تراجع عملي – ولو مؤقت – عن خيار المواجهة المباشرة.
في المقابل، جاء الرد الإيراني سريعًا وحاسمًا، حيث نفت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان رسمي نقلته وسائل إعلام دولية، وجود أي مفاوضات مع الولايات المتحدة، مؤكدة أن موقفها لم يتغير، وأنها ترفض أي حوار قبل تحقيق أهدافها المعلنة. كما اعتبرت أن تصريحات ترامب تمثل تراجعًا عن تهديداته السابقة، دون أن تعكس تحولًا حقيقيًا في موازين القوى. وتزامن ذلك مع تصريحات منسوبة إلى الحرس الثوري الإيراني نفت أي وجود لمحادثات أو هدنة، ووصفت الطرح الأمريكي بأنه يعكس حالة ارتباك في الموقف الأمريكي في ظل الضغوط التي يواجهها في المنطقة.
وفي ظل هذا التباين في الروايات، تبرز أوراق الضغط الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي يُعد شريانًا حيويًا لإمدادات الطاقة العالمية. وقد لوّحت إيران باستخدام هذه الورقة، سواء عبر تقييد الملاحة أو فرض رسوم على عبور السفن، وهو ما قد يضع الاقتصاد العالمي أمام تحديات معقدة. وقد انعكس ذلك على الأسواق العالمية، حيث أشارت تقارير اقتصادية إلى تراجع أسعار خام برنت عقب التصريحات الأمريكية التي أوحت بإمكانية التهدئة، في حين ارتفعت أسعار الذهب مدفوعة بحالة القلق وعدم اليقين في الأسواق.
إن قراءة هذا المشهد تشير إلى أن الولايات المتحدة باتت أمام معادلة معقدة؛ فالتصعيد العسكري لم يعد خيارًا مضمونًا في ظل احتمالات رد إقليمي واسع قد يشمل استهداف منشآت حيوية أو تعطيل إمدادات الطاقة. كما أن الضغوط الاقتصادية، بما في ذلك تقلبات أسواق المال وارتفاع تكاليف الانخراط العسكري، دفعت – وفق تقديرات عدد من المحللين الغربيين – إلى إعادة النظر في مسار المواجهة.
وفي السياق ذاته، ترى بعض التحليلات السياسية أن ما يجري قد يعكس تراجعًا نسبيًا في القدرة على فرض الشروط بالقوة، مقابل تصاعد قدرة الأطراف الإقليمية على استخدام أوراق ضغط فعّالة دون الانخراط في مواجهة مباشرة. وهو ما يشير إلى تحولات تدريجية في ميزان القوة، لم تعد فيه المعادلات التقليدية كافية لحسم الصراعات.
وفي الختام، يمكن القول إن هذا التراجع الأمريكي لا ينفصل عن حسابات أوسع، تتداخل فيها اعتبارات التحالف الاستراتيجي الأمريكي–الإسرائيلي، الذي يدفع تقليديًا نحو تشديد الضغوط على إيران، مع واقع ميداني يفرض كلفًا باهظة على جميع الأطراف. فقد تكبدت الولايات المتحدة خسائر اقتصادية ملحوظة، تمثلت في اضطراب الأسواق وتزايد الضغوط على اقتصادها، كما تواجه إسرائيل تحديات أمنية متزايدة في ظل اتساع نطاق التهديدات. ومن ثم، يبدو أن اللجوء إلى التفاوض لم يعد مجرد خيار سياسي، بل ضرورة فرضتها كلفة المواجهة وحدود القوة، في لحظة قد يكون فيها التراجع قد جاء… ولكن بعد أن تغيّرت المعادلات على الأرض.