متابعة/المدى
في ظل تصاعد الصراع غير المعلن بين إيران وإسرائيل، تتكشف يوماً بعد آخر ملامح حرب تتجاوز الضربات العسكرية التقليدية، لتغوص عميقاً في عالم الاستخبارات والفضاء السيبراني، حيث لا تُقاس القوة فقط بما يُرى على الأرض، بل بما يُخفى خلف الكواليس من اختراقات وشبكات معقدة. وفي هذا السياق، تبرز تقارير إعلامية تتحدث عن أدوار غير تقليدية داخل هذا الصراع، تعكس طبيعة المواجهة التي باتت تعتمد على أدوات أكثر دقة وأقل ظهوراً.
وفي هذا الإطار، كشفت صحيفة جيروزاليم بوست، عن تنفيذ عميلات في جهاز الموساد عمليات داخل إيران، خلال الهجمات التي استهدفت برامج طهران النووية والصاروخية في يونيو الماضي، في خطوة تعكس تصعيداً لافتاً في النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي داخل العمق الإيراني.
ونقلت الصحيفة عن مدير الموساد دافيد برنياع تأكيده أن “الدور الذي لعبته عميلات الجهاز كان بالغ الأهمية”، مشيرة إلى أن مئات العملاء، بينهم عناصر جرى تجنيدهم من داخل إيران، شاركوا في تنفيذ عمليات متزامنة، دون الكشف عن طبيعة المهام التي وصفت بأنها ما تزال ضمن نطاق السرية.
وبحسب معطيات متقاطعة، فإن هذه العمليات لا تنفصل عن نمط أوسع من العمل الاستخباراتي الذي يعتمد على بناء شبكات محلية واستغلال الثغرات البشرية داخل المؤسسات الحساسة، وهو ما يفسر نجاح عدد من الاختراقات التي نُسبت إلى إسرائيل خلال السنوات الماضية، بما في ذلك عمليات استهدفت منشآت وبرامج استراتيجية.
في المقابل، تتصاعد المواجهة السيبرانية كأحد أبرز أوجه الصراع بين الطرفين، حيث تشير تقارير أمنية إلى تكثيف إيران هجماتها الإلكترونية على البنى التحتية داخل إسرائيل، مستهدفة أنظمة المياه، وشبكات التحكم، ولوحات الإعلانات الذكية، عبر استغلال ثغرات تقنية في الأنظمة الرقمية.
كما شهدت الفترة الأخيرة استخدام أدوات أكثر تطوراً، من بينها برمجيات مدمرة قادرة على تعطيل الأنظمة بالكامل، إلى جانب حملات “تصيد احتيالي” دقيقة، تهدف إلى اختراق حسابات شخصيات رسمية وأكاديمية للحصول على معلومات حساسة، في إطار حرب معلومات موازية للصراع الميداني.
وفي سياق متصل، أعلنت مجموعة قرصنة إيرانية تُعرف باسم حنظلة عن اختراقها ما وصفته بـ“بنك أهداف” داخل إسرائيل، يتضمن خرائط تفصيلية للبنى التحتية الحيوية، بما في ذلك شبكات المياه والكهرباء، ملوّحة بإمكانية استهدافها في حال استمرار التصعيد العسكري ضد طهران.
من جانبها، كشفت السلطات الإيرانية عن اعتقال 68 شخصاً بتهم تتعلق بتسريب معلومات وصور عن مواقع حساسة، في مؤشر على استمرار التحديات المرتبطة بالاختراقات الداخلية، والتي تُعد أحد أبرز عوامل نجاح العمليات الاستخباراتية المعقدة.
ويرى مختصون أن طبيعة هذا الصراع تتجه بشكل متزايد نحو نموذج “الحرب الهجينة”، حيث تتداخل العمليات العسكرية مع الهجمات السيبرانية والاختراقات الاستخباراتية، في وقت أصبحت فيه السيطرة على البيانات والبنى التحتية الرقمية عاملاً حاسماً في تحديد موازين القوة.
وفي ظل هذا التحول، لم تعد الجبهات تُرسم بالحدود الجغرافية فقط، بل باتت تمتد إلى الفضاء الرقمي والشبكات المعلوماتية، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراعات، تُدار بصمت، لكنها تحمل تأثيرات قد تفوق في نتائجها الحروب التقليدية.